» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
شرح المغني المفيد الشريط الأول




بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

أما بعد فهذا كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد للعلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي، وهو يتضمن توحيد العبادة لله سبحانه وتعالى، وهو أحد أنواع التوحيد وما يتصل به من الأمور التي هي من تمامه، وما يضاده كذلك من الشرك بنوعيه الأكبر والأصغر، فكل ذلك تعرض له الشيخ رحمه الله تعالى في هذا الكتاب وجمعه، وأراد أن يؤلفه على طريقة المحدثين، فيترجم تراجم مثل تراجمهم ويجعل تحتها ما يناسبها من الآيات والأحاديث، ثم يأتي ببعض المسائل التي تستنبط من تلك الآيات والحديث، ولا يرتبها على ترتيب الورود وإنما يأتي بها كما يتيسر فبعض المسائل راجع إلى الآية الأولى وبعضها راجع إلى الآية الثانية وبعضها راجع إلى الأحاديث وهكذا فليست مرتبة على حسب ترتيب الورود.

وسبب تأليف هذا الكتاب أن الشيخ رحمه الله عاش في بيئة نجد التي انتقل عنها كثير من أهل الحضارة، وسكنها الأعراب، فظهر فيها كثير من الجهل أدى إلى تعلق الناس بعبادة الأحجار والأشجار وبما ينافي التوحيد من الشركيات ومن الاستغاثة بالصالحين والأولياء من الصحابة والتابعين وغيرهم، وكذلك من الاستعانة بالجن والخرافة والسحر والتنجيم، والكهانة، وكذلك ما شاع في تلك البلاد أيضا من الطيرة ونحوها، فاحتاج هو إلى أن يؤلف هذا التأليف المسهل الميسر، الذي أراد به تبصير عوام المسلمين بالأصل الأول من أصول الدين، وقد وضع الله القبول على كتابه في زمانه فانتشر واشتهر، ودرسه كثير من الناس فأفادوا منه نسأل الله أن يضاعف له الأجر.

وهذا الموضوع هو جزء من موضوعات التوحيد، وعلم التوحيد علم من العلوم الإسلامية المهمة، وقد دخله كثير من الإلباس، وأدخل فيه كثير مما ليس منه، فهو في الأصل لبيان ما يجب على المسلم اعتقاده، وذلك في أصله ينقسم إلى قسمين، إلى أصول لا يعذر مسلم بجهلها وهي التي بينها النبي r في حديث جبريل، هي أركان الإيمان الستة، فقد قال حين سأله عن الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، فهذه الست لا يعذر أحد بجهلها بل يجب على كل مؤمن أن يتعلمها وأن يؤمن بها إجمالا، أما ما يتعلق بها من التفصيلات والمسائل الجزئية فهذه إنما تجب على من بلغته من طلبة العلم ومن المهتمين بذلك، ولا يجب على كل مسلم تعلمها بل قد يخفى بعضها على بعض أصحاب رسول الله r، وهم أفضل الأمة وأكملها إيمانا.

ومن هنا فليس كل مسائل العقائد مما يجب تعلمه على كل مسلم، بل إنما يجب تعلم هذه الست فقط ومن علمها وآمن بها ومات على ذلك ولم يتعلم غيره دخل الجنة، ولذلك صح في الصحيح أن النبي r أتاه رجل فقال: يا رسول الله أسلم وأقاتل أم أقاتل ثم أسلم؟ فقال: أسلم ثم قاتل، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقاتل فقتل، فقال رسول الله r لقد عمل هذا قليلا وأُجرَ كثيرا.

والمسائل الجزئية قد تخفى على بعض علماء الصحابة بدليل ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: دخل علي عجوزان من اليهود، فذكرتا عذاب القبر فكذبتهما ولم أنعم أن أصدقهما، فلما خرجتا دخل علي رسول الله r فسألته فقال: عائذا بالله من عذاب القبر، ثم لم أزل بعد أسمعه يستعيذ بالله من عذاب القبر.

فهذه أم المؤمنين وهي من أعلم أصحاب رسول الله r وأقربهم إليه لم تكن تعلم بعقيدة عذاب القبر مع أنها من كبريات المسائل في هذا التخصص، لكن لا يجب على كل مكلف معرفة ذلك إذا آمن بالإجمال والإطلاق.

وكذلك فإن كثيرا من تفصيلات المسائل الجزئية لم يكن يعرفها بعض خواص أصحاب رسول الله r وإن عرفها من سواهم، لأن النبي r لا يجب عليه التبليغ إلى كل أحد، بل إذا بلغ إلى عدل فأكثر ممن سيروي عنه فذلك مجزئ في تبليغ رسالات ربه، ولا يلزمه أن يبلغ جميع الأمة ولا جميع الصحابة ولا كل من في المجلس، بل إذا بلغ من تقوم به الحجة كفى ذلك في امتثال قول الله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} وكثير من الناس يخلط بين هذين المفهومين بين المفهوم الأول الذي لا يعذر أحد بجهله، وبين المفهوم الثاني الذي يمكن أن يجهله أكمل الناس إيمانا كأصحاب رسول الله r.

ولذلك يحملون العوام على تعلم المسائل الجزئية في الاعتقاد، بل ربما أدى ذلك إلى امتحانهم في الاعتقاد بمسائل تخفى على كثير من الناس ولم يكن يعرفها أبو بكر وعمر  وجلة الصحابة، وقد قال الإمام البخاري رحمه الله: الامتحان في الاعتقاد ابتداع، فالأصل أن لا يمتحن مؤمن في الاعتقاد إلا في مسألتين أولاهما من قدم من دار الكفر واتُّهمَ بأنه يمكن أن يكون جاسوسا للعدو، فهذا يمتحن لقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن} والمسألة الثانية من كان رقيقا على الكفر أو من كان على الكفر فاسترق فأراد مسلم أن يعتقه حيث يشترط الإيمان في عتق الرقبة فحينئذ لا بد من امتحانه لأنه قد كان من أهل الكفر حتى يعلم هل دخل الإسلام لأنه لا يجزئ عتق رقبة غير مؤمنة في المواضع التي اشترط فيها الإيمان في الرقبة، ودليل ذلك حديث الأنصاري الذي كان عليه عتق رقبة فجاء بجارية له فعرضها على رسول الله r فسألها فقال: أين الله فأشارت بإصبعها إلى السماء، ثم قال: من أنا؟ فقالت رسول الله، فقال: أعتقها فإنها مؤمنة، فهنا امتحنها رسول الله r بأصل التوحيد، وأراد بذلك أنها كانت على الكفر، وأن الأنصاري يجب عليه عتق رقبة مؤمنة كما شرط الله الإيمان فيها، وإنما يمكن التحقق من ذلك بهذا الامتحان، وقد خفي هذا على كثير من عوام المسلمين فأصبحوا يمتحنون من لا يريدون عتقه من المسلمين، يمتحنون كثيرا من الأحرار بسؤالهم أين الله؟ ولا يقولون: من أنا، فلذلك لا بد من التنبيه على هذه المسألة لشيوع الخطإ والغلط فيها.

ثم إن من الأمور المهمة التي ينبغي بيانها في مثل هذا الموقف كذلك أن هذا العلم الجليل من علوم الإسلام الذي هو علم العقائد فيه كثير من المسائل غير القطعية، التي هي اجتهادية، وهي محل خلاف ونظر، إما في ثبوت الأدلة كبعض الأحاديث المختلف في صحتها، وإما في ثبوت الدَّلالة كبعض الأحاديث المتفق على صحتها لكن اختلف في دَلالاتها، وبعض الآيات كذلك المختلف في تفسيرها، ولا بد من التفريق بين ما دلالته قطعية ووروده قطعي وبين ما دخلته الظنية من ذلك، فالظني يعذر فيه الناس والقطعي لا يعذر فيه، ولهذا أمكن حصول المذاهب في المسائل العقدية، فيمكن أن تتنوع المذاهب في المسائل العقدية إذا لم تكن قطعية، كما اختلف أصحاب رسول الله r في بعض المسائل العقدية، فقد خالف ابن مسعود جمهور الصحابة في إثبات أن الفاتحة والمعوذتين من القرآن فقد كان ابن مسعود رضي الله عنه لا يرى هذه السور الثلاث من كتاب الله، بل يرى أنها من كلام الله أنزلت على محمد r من غير القرآن وخالفه جمهور الصحابة في ذلك، وكان هذا قبل الإجماع على تدوينها في المصحف وعلى أنها من القرآن، فلم يكن ابن مسعود خارقا للإجماع إذ ذاك.

ومنها كذلك اختلاف الصحابة هل رأى النبي r ربه ليلة المعراج بقلبه أو بعيني رأسه، وقد كانت عائشة رضي الله عنها تبالغ في النكير على من قال إنه رآه بعيني بصره، قالت: ثلاث من حدثك بهن فقد أعظم على الله الفرية، وذكرت منها من أخبرك أن محمدا رأى ربه ليلة المعراج ببصره، وكذلك قالت: لقد قف شعري مما قلت.

وقد اختلف أصحاب رسول الله r في بعض الجزئيات الأخرى مثل هذه، وكلهم على هدى إن شاء الله، فدل هذا على أن هذه المسائل ليست هي من القطعيات في ذلك الوقت، وإن حصل قطع فيما بعد فإنما حصل بالإجماع لا بالنص، فلم يكن الإجماع منعقدا في وقتها، ففي عهد رسول الله r كان الوحي ينزل فيسمعه بعضهم ولا يعلم به آخرون، وكانت عرضات جبريل على رسول الله r متفاوتة، فقد أنزل عليه القرآن بسبعة أحرف، فقد ينكر بعضهم ما هو في حرف لم يسمعه، كإنكار عمر على هشام بن حكيم بن حزام، ولكن ذلك الإنكار ليس في محله لأن القرآن أنزل على سبعة أحرف ولأنه ليس أحد من أصحاب رسول الله r يحويه كاملا إذ ذاك، وإنما انعقد الإجماع عليه فيما بعد عند تدوينه وفي العرضة الأخيرة التي عرضها جبريل على رسول الله r، وبالأخص إذا عرفنا أن النبي r توفي والوحي أكثر ما يكون تتابعا، فقد كثر الوحي في الفترة الأخيرة من عمر النبي r.

ثم إن التابعين كذلك اختلفوا في بعض المسائل العقدية وكانت لهم فيها مذاهب، كخلافهم في مفهوم الإيمان ما هو، ودخول الأعمال في مسماه، فإن جمهور التابعين يرون أن الإيمان هو الدين كله، وأن الأعمال داخلة في مسماه، وذهب عدد منهم إلى أن الإيمان هو عمل القلب، وأن عمل الجوارح هو الإسلام وهذا مذهب حماد بن أبي سليمان وغيره من التابعين، من أهل العراق، والنصوص لا تحسم هذا الخلاف، لأن لكل واحد من القولين بعض النصوص التي تدل عليه، فجمهور التابعين يستدلون بحديث وفد عبد القيس فإن النبي r قال لهم: آمركم بالإيمان بالله وحده ثم شرح الإيمان بالله وحده فقال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وصوم رمضان وأن تؤدوا الخمس من المغنم، فذكر أعمالا هي من ما يدخل في الإسلام، والذين يرون أن الإيمان عمل القلب يستدلون بقول الله تعالى : {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} وبحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «أعطى رسول الله r رجالا وترك رجلا وسعد جالس وهو أعجبهم إليَّ أي الرجل الذي تركه رسول الله r، فقلت يا رسول الله ما لك عن فلان فإني والله لأراه مؤمنا، قال: أوْ مسلما فسكتُّ ثم غلبني ما أعرف فيه، فقلت يا رسول الله ما لك عن فلان فإني والله لأراه مؤمنا فقال: أو مسلما، فسكت ثم غلبني ما أعرف فيه فعدت لمقالتي فعاد رسول الله r لمقالته» فهنا فرق رسول الله r بين الإيمان والإسلام، وكذلك في حديث جبريل عندما سأله عن الإيمان قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» وكلها من عمل القلب، ثم سأله عن الإسلام فقال:«أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» فهذه هي الأعمال الظاهرة، وعموما هذا الخلاف كما قال شيخ الإسلام بن تيمية والذهبي رحمهما الله خلاف لفظي، فهو راجع إلى الاصطلاح في تفسير هذه الكلمة، وإن كان يترتب عليه بعض المسائل فمنها زيادة الإيمان ونقصه، ومنها كذلك الاستثناء في الإيمان، وهذه المسائل الخلاف فيها خلاف مستقل وله أدلة أخرى خارجة عن دلالة أصل الإيمان، ثم إن هذه المسائل التي هي محل اجتهاد وخلاف اختلف فيها كذلك أو في كثير منها ونظائرها أتباع التابعين، فكانت لهم مذاهب في مسائل عقدية، وقد اشتهر منها المسألة اللفظية، وهي تكلمنا بالقرآن، أو ألفاظنا بالقرآن هل هي مخلوقة أم لا، والخلاف في ذلك بين أتباع التابعين معروف، لكن لم يكن أحد منهم لا في أيام الصحابة ولا في أيام التابعين ولا في أيام جمهور أتباع التابعين يكفر بعضا فيما لم يحسمه النص، وإنما كانوا يستعظمون تلك الأقوال كما قالت عائشة: لقد قف شعري مما قلت وقد قالت: فقد أعظم على الله الفرية، ولكن مع ذلك لم يكن أحد منهم يكفر أحدا، ولا يبدعه بأمر اجتهادي، فهم يعلمون أن النبي r قال: إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران، وإذا اجتهد فأخطأ كان له أجر، فهذا من الأمور غير المحسومة بالنص فهو قابل للاجتهاد، فلذلك يعذر بعضهم بعضا إذا اختلفوا في الفهم، وكان الجميع معروفا بالصدق والأمانة وصحة الدين وسلامته.

والذين يقوم بهم كثير من أوصاف الإيمان لا يمكن أن يحكم عليهم بمجرد اجتهادات أخطأوا فيها بخروجهم عن تلك المعاني المعروفة فيهم، وهذا الإيمان الذي ذكر بأركانه الستة هو أصل الاعتقاد، وما يجب اعتقاده فهو أصل هذا العلم.

ويمكن أن نقدم بين يدي الحديث المقدمات العشر لعلم التوحيد، فأول مقدمة فيه حده، وتعريف التوحيد في اللغة هو مشتق من الأحدية أو الوحدانية، معناه الإقرار بأن الله سبحانه وتعالى واحد، وهذا جزئية من جزئيات الاعتقاد، فليس الاعتقاد جميعا مختصا بالإيمان بالله بل يدخل فيه الإيمان برسله والإيمان بكتبه والإيمان بالملائكة والإيمان باليوم الآخر، وإنما يطلق التوحيد على ذلك من إطلاق الجزء على الكل كإطلاق الرقبة على الإنسان كاملا، وهذا نوع مجاز يسمى إطلاق البعض على الكل.

وهو في الاصطلاح علم ما يلزم اعتقاده، وهذا أيضا إنما هو في اللوازم التي يلزم اعتقادها، وإلا فيدخل فيه ما لا يلزم اعتقاده من المسائل الخلافية، وحتى ما يلزم عدم اعتقاده من المسائل المنفية، فهو أعم من كل ذلك.

أما موضوعه فهو بيان الأصول النظرية التي يبني عليها المؤمن قناعته، وهذه الأصول لا يمكن أن يعرفها من تلقاء عقله ولا من تلقاء نظره بل لا بد أن تكون مبينة بالوحي المنزل من عند الله سبحانه وتعالى لقصور عقل الإنسان وتفكيره، ولأنه مسبوق بالعدم ملحوق به، فيخفى عليه ما سبق وجوده وما لحقه فيحتاج في بيان ذلك إلى الوحي المنزل من عند الله سبحانه وتعالى، وموضوع هذا العلم هو ما يمكن أن ينطلق منه الإنسان في هذه القناعة مطلقا حيث يدعوه ذلك إلى العمل، فلا منافاة بين دخول الأعمال في مسمى الإيمان وبين كون موضوع علم التوحيد ما يتعلق بالقناعة العقلية، لأن تلك القناعة العقلية لا بد أن ينبني عليها عمل وإلا لم تكن قناعةً، فالتلازم حاصل إذن.

أما المقدمة الثالثة فهي واضعه ومن المعلوم أن واضعي العلوم معناه الذين ألفوا فيها وجمعوها وجعلوها علما مستقلا لم يكونوا من أصحاب رسول الله r، وإنما كانت بداية وضع العلوم في أيام التابعين ثم اتسعت في أيام أتباعهم، وهذا العلم لم يكن أهل السنة يفصلونه في الأصل عن السنة، فقد كان من علوم السنة، بل كان يسمى بعلم السنة قديما، وإنما فَصَله المعتزلة، ومن على شاكلتهم من المبتدعة فهم أول من فصل العقائد عن علم السنة، وأدى بهم ذلك إلى الخوض في كثير من المسائل النظرية التي لا يسعفها الدليل.

ومن أوائل الذين ألفوا فيه كتبا مستقلة من أهل السنة مالك فقد ألف رسالة في القدر، وكذلك أبو حنيفة رحمه الله ينسب إليه كتاب الفقه الأكبر في التوحيد، وعبد الله بن وهب ألف كتاب القدر كذلك، ثم اشتهر في أيام أتباع هؤلاء عدد من المؤلفين في الإيمان والسنة، فقد كتب الحميدي رسالته في أصول السنة، وهي رسالة مختصرة جعلت في آخر مسنده، وألف أبو بكر بن أبي شيبة كتاب الإيمان، وألف أبو خيثمة زهير بن حرب كتاب الإيمان، وألف كذلك البخاري رحمه الله كتاب خلق أفعال العباد في الرد على الجهمية، وجعل في صحيحه كتابا للتوحيد وقبله جعل كتابا للإيمان، كذلك مسلم جعل كتاب الإيمان في صحيحه، وألف قبلهما شيخهما الإمام أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله كتاب السنة، كذلك كتاب الرد على الجهمية، وألف الدارمي كتاب الرد على الجهمية، وألف أبو بكر بن أبي عاصم كتاب السنة، وكذلك عبد الله بن أحمد بن حنبل ألف كتاب السنة والخَلال كذلك ألف كتاب السنة، ولم تزل كتب أهل الحديث تزداد في هذا المجال،وقد ألف ابن خزيمة رحمه الله كتاب التوحيد وألف ابن منده كتاب الإيمان الكبير، وألف الآجري كتاب الشريعة، وبعد هذا ألف البيهقي كتاب الأسماء والصفات، وقبله ألف الدارقطني كتاب الصفات وكتاب الرؤية وعددا من الكتب المختصة في هذا المجال، ثم ألف اللالكائي كتاب شرح أصول السنة، وألف ابن البناء كتاب المختار من أصول السنة وهو اختصار للشَّريعة للآجري، وكثرت المؤلفات في هذا الباب، ثم وُجد في المقابل أيضا من فصَل هذا العلم عن علم السنة فانطلق من الأصل الذي سلكه المؤلفون من المعتزلة بانفصاله وجعله علما مستقلا، ومن أوائل أولئك من أهل السنة أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري الشافعي، فقد ألف كتاب مقالات الإسلاميين، وألف كتاب الإبانةْ عن أصول الديانةْ، وألف كتاب اللمعة في الاعتقاد، وألف كتاب رسالة الثغر كذلك وكتاب التقريب وعددا من الكتب الأخرى، وأصبح صاحبَ مذهب ففي مدرسته عدد من المؤلفين الذين قد يخالفه بعضهم قد يزيدون على ما قاله، ومن أولئك البيهقي الذي ألف كتاب الاعتقاد على هذه الطريقة، وكذلك أبو نُعَيم الحافظ وقد ألف أيضا عددا من الكتب في هذه الطريقة، وكذلك الإمام أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني الذي ألف كتبا كثيرة في هذا الباب، ثم اختلط هذا العلم بالكلام وتطبيقاته من لدن الباقلاني وأصبحت فيه مذاهب شتى، واشتهر لأهل السنة فيه ثلاثة مذاهب، المذهب الأشعري الذي كان مبنيا على ما وضعه الأشعري في بعض كتبه، ولكن واضعه الحقيقي هو أبو بكر الباقلاني ثم القاضي حسين الشافعي، وبعدهما إمام الحرمين الجويني، وهذا المذهب انتشر واشتهر بكتابة الأصوليين فيه كأبي حامد الغزالي وبعده الآمدي والفخر الرازي وغير هؤلاء من أساطين هذا العلم، المذهب الثاني مذهب أبي منصور الماتوريدي، الذي اشتهر لدى الحنفية، وأخذ به كثير منهم، وقد ألف على هذا المذهب عدد من المؤلفين، فأبو منصور نفسه ألف كتابه في الاعتقاد، ثم بعده ألف النسفي كتابه كذلك على هذه الطريقة، ثم جاء بعد النسفي عدد من الذين شرحوا كتابه وانطلقوا منه وتوسعوا فيه، والمذهب الثالث مذهب الحنابلة الذي قد اشتهر من أوائل المؤلفين فيه البَرْبَهاري الذي ألف كتاب السنة، وبعده التميمي وأبو يعلى وابنه وعدد من المؤلفين الذين سلكوا هذا الطريق الذي هو قريب مما كان عليه الأوائل من المحدثين في ربط هذا العلم بالسنة، وإن كان قد انفرد ببعض الجزئيات والتقسيمات التي ليست هي في طريقة المحدثين الأوائل.

ـ وإنما كانت هذه المذاهب الثلاثة من مذاهب أهل السنة لأنها لم يكن أصحابها ينطلقون من الابتداع وإنما كانوا يجتهدون في طلب الحق ويعتمدون على الدليل من الوحي، فما أصابوا فيه فلهم فيه أجران وما أخطؤوا فيه عذروا فيه باجتهادهم، فالحنابلة والأشاعرة والماتريدية، بهذا المعنى كلهم من مذاهب أهل السنة، وليس معنى هذا أن من كان من أهل السنة معناه أنه شهد له بالجنة، أو أن من ليس من أهل السنة أنه شهد عليه بالنار، بل المقصود أن هؤلاء يجمعهم انطلاقهم من الاجتهاد في طلب الحق، ومن أصاب منهم فله أجران في ذلك ومن أخطأ فله أجر وليس عليه وزر في خطئه، فليسوا من المبتدعة، وإن كان بعضهم قد أخطأ في اجتهادات كثيرة، فهذه المذاهب كلها لا تخلو من أخطاء في الاجتهاد، وبعضها أكثر أخطاء من بعض لكنها مثل مذاهب أهل السنة في الناحية الفقهية، فأهل السنة من الناحية الفقهية اليوم يشتهر من مذاهبهم أربعة المذهب الحنفي والمذهب المالكي والمذهب الشافعي والمذهب الحنبلي، وليس مذهب منها خاليا من الأخطاء، بل كلها اجتهادات رجال فيها الصواب والخطأ، لكن من المعلوم أن ما أخطأ فيه أصحابها لم يقصدوا به الرد على الله ورسوله ولم يقصدوا به الابتداع وإنما اجتهدوا في الوصول إلى الحق بقدر علمهم وبقدر ما أوتوا وعذروا فيما أخطأوا فيه، والذين يزعمون أن بعض هذه المذاهب ليس من أهل السنة يقصدون بذلك ليسوا على صواب في تلك المسألة، كالذين يقولون الأشاعرة أو الماتريدية في باب الصفات المشكلة أو الصفات التي يسمونها بالمشكلة ليسوا من أهل السنة، يقصدوا بذلك لم يصيبوا، لكن ليس معناه إخراجهم من أهل السنة بمعنى أنهم مبتدعة، فالمبتدعة هم القدرية والجبرية والمعتزلة والخوارج والجهمية والمشبهة، هؤلاء هم كبار فرق المبتدعة في ذلك الزمان، وهذه المذاهب الثلاثة الأخرى كلها مرجعها إلى النص ومأخذها من الدليل، وإن أخطأ بعضها بالاجتهاد، وإن استعمل بعضها بعض الطرق التي يستعملها المعتزلة في تقرير المذاهب من الأدلة العقلية فكذلك المذاهب السنية في الفقه استعملت أيضا ما يستعمله المعتزلة من البراهين العقلية، ومن قرأ أصول الفقه وجد ذلك واضحا، فالناس في أصول الفقه على مدرستين، مدرسة الحنفية التي تسمى بمدرسة الفقهاء، ومدرسة المتكلمين التي أخذ بها المالكية والشافعية والحنابلة، فلا بد من التَّنَبُّه لهذا، ولذلك فقد أصبح كثير من الناس اليوم يتجاسرون على بعض أئمة الدين من أهل السنة كالحافظ بن حجر والنووي والقرطبي وحتى البيهقي والحاكم النيسابوري فيقولون هؤلاء ليسوا من أهل السنة، وهذا غلط فاحش يقصدون ليسوا من الحنابلة في مذهبهم الذي هو أقرب المذاهب إلى الصواب في هذه الصفات، ولا يقتضي ذلك إخراجهم من أهل السنة بل ما أخطأوا فيه إنما أخطأوا فيه عن اجتهاد وطلب للحق، وأخذ بالدليل الذي وصل إليه علمهم، فخطؤهم في ذلك مثل الخلافات الفقهية التي يُخَطَّأُ فيها بعض المذاهب ويكون خطؤه منطلقا من مستوى ما وصل إليه علمه ومن الدليل الذي أخذ به والدلالة التي في مذهبه، وهذا التصنيف بإدخال بعض الناس في السنة وبعضهم في البدعة وهم جميعا غير مبتدعة ولا ملغين لشيء من النصوص لا يؤدي إلا إلى التعصب والشحناء والفتن ولذلك قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: لم يزل الحنابلة والأشاعرة يدا واحدة حتى حصلت فتنة القشيري ببغداد، والله يعلم أني كنت من أشد الناس حرصا على جمع الكلمة، فقد كان ابن تيمية رحمه الله من أشد الناس حرصا على جمع الكلمة بين الحنابلة والأشاعرة، وإنما اتسع الخرق على الراقع بسبب فتنة القشيري ببغداد، وكل ذلك من التعصبات المذهبية، فجمهور ما اختلفوا فيه مسائل محصورة وهي ترجع إلى أربع مسائل فقط، وما سوى ذلك لا يمكن أن ينسب إلى الأشاعرة جميعا أو الماتريدية جميعا أو الحنابلة جميعا بل هو آراء شخصية لبعض أتباع هذه المذاهب وليست هي المذهب لدى الأشاعرة ولا لدى الحنابلة ولا لدى الماتريدية، وأصحاب التعصب يأخذون أي قول قال به من انتسب إلى مذهب من المذاهب فيجعلونه ملزما لجميع من انتسب إلى ذلك المذهب، وهذا هو من التعصب البين الذي هو من عمل أهل الضلالة نسأل الله السلامة والعافية، وهو مناف للعدل والإنصاف، فلا بد من التنبه لهذا ووضع الكلام في نصابه ومحله.ـ

المقدمة الرابعة: نسبة هذا العلم إلى غيره من العلوم، ونسبته إلى جمهور علوم الشريعة هي نسبة العموم والخصوص الوجهي، لاشتراكه معها في بعض المسائل وانفراده ببعض المسائل عنها وانفرادها ببعض المسائل عنه، فبعض المسائل تدرس في هذا العلم وفي غيره من العلوم كعلم التفسير وعلم الحديث وعلم الجدل والأصول ومسائل أخرى انفرد بها هذا العلم، ومسائل انفردت بها تلك العلوم عنه.

المقدمة الخامسة مُسْتَمَدَّهٌ، ومستمد هذا العلم من الوحيين الكتاب والسنة ومن فهم السلف الصالح لهما، ومن مقتضيات العقول كذلك التي هي محل الخطاب فإن العقل هو مناط التكليف.

 المقدمة السادسة فضله، وفضل هذا العلم عظيم لأنه الذي ينطلق منه الإنسان في أعماله فالعمل مبني على القناعة العقدية، وأيضا فهو الدافع له على الاستمرار والنافي للفتن عنه، وهو الذي يصحح به اعتقاد الناس وتزال به الشبهات عنهم ويقنع به من يريد الدخول في الإسلام فكل هذا زيادة فضل لهذا العلم.

المقدمة السابعة، حكمه وحكم تعلم هذا العلم أنه من فروض الكفايات إلا ما ذكر من ما لا يعذر مسلم بجهله فهو من فروض الأعيان، فإذا وجد من المسلمين من يتعلم جزئياته ويتقنها ويستطيع رد الشبهات فيه في بلد من البلدان فإنه يرفع الإثم عن سائرهم، وإن لم يوجد في بلد من البلدان من يستطيع رد الشبهات وإتقان جزئيات هذا العلم فإنهم يأثمون جميعا كسائر علوم الشريعة.

المقدمة الثامنة فائدته، وفائدة هذا العلم معرفة الله سبحانه وتعالى، ومعرفة رسله وملائكته وكتبه وكذلك التحرر من الأغيار، فإن من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره على حقيقة الإيمان لا يمكن أن يكون عبدا لمخلوق بل لا بد أن يتحرر من ذلك بالكلية، وأن يكون عبدا لله خالصا، وهذه هي الحرية المنشودة التي تقتضي من الإنسان أن لا يخاف وأن لا يطمع وأن لا يتوكل وأن لا يخنع إلا لله وحده سبحانه وتعالى، فيزيد ذلك صلته بربه وعبادته له، ويعرف بذلك ربه سبحانه وتعالى، وهذا إنما يختص بمن انطلق من الوحي في هذا العلم، وأراد في تعلم جزئياته زيادة المعرفة بالله سبحانه وتعالى، أما ما داخل هذا العلم من المسائل الجدلية والكلامية ونحوها فإن ذلك ابتعد به عن هذه الفائدة المتوخاة منه، فأصبح الذين يتعلمون هذا العلم يَشْكُونَ من القسوة والغلظة والجفاء والشدة على الناس، وسهولة تكفيرهم، وربما يحصل من بعضهم أيضا انحراف عقدي، وربما يحصل من بعضهم قناعةٌ بشبهة من الشبه التي يقرؤها في هذه العلوم التي هي من إنتاج الناس، ويرد فيها كثير من الشبهات العقلية.

أما المقدمة التاسعة فهي اسمه، وقد اشتهر باسم علم التوحيد أو علم الاعتقاد، وعلم العقائد، واشتهر كذلك باسم أصول الدين، وكلها أسماء اصطلاحية لهذا العلم ولا مشاحة في الاصطلاح.

أما المقدمة العاشرة فهي مسائله وجزئياته، وهذه يُبْدَأ فيها من أركان الإيمان الستة التي هي الإيمان بالله والإيمان بملائكته والإيمان بكتبه والإيمان برسله والإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره، فمنها تتشعب مسائل هذا العلم كلُّها، فالإيمان بالله يقتضي ثلاثة أقسام من أنواع التوحيد هي الإيمان برُبوبيته والإيمان بألوهيته والإيمان بأسمائه وصفاته، فالإيمان بربوبيته يقتضي الإيمان بأنه وحده هو خالق هذا الكون ومدبر أمره والمتصرف فيه جميعا، والإيمان بألوهيته يقتضي أنه هو وحده المستحق للعبادة والطاعة، والمحبة الخاصة بالألوهية، وأنه وحده المشرع للعباد، وأنه وحده الذي يستحق أن يتوكل عليه العباد وأن يرفعوا إليه حوائجهم وأن يستغيثوا به، والإيمان بأسمائه وصفاته يقتضي إثبات كل ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله r ونفي كل ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله r، ويقتضي كذلك الإيمان باتصافه بكل كمال والإيمان بانتفاء كل نقص عنه على سبيل الإجمال، ويرجع إلى الإيمان بالله قسمان آخران من أركان الإيمان وهما الإيمان بالقدر خيره وشره فهو من الإيمان بالله لأن القدر صفة الله سبحانه وتعالى فهو من الإيمان بالأسماء والصفات، وكذلك الإيمان بكتبه فهو من الإيمان بكلامه وكلامه من صفاته، فهذان القسمان يرجعان إلى القسم الأول الذي هو الإيمان بالله، وهكذا الإيمان بملائكة الله، يقتضي الإيمان بهم إجمالا وبمن سمي منهم تفصيلا، ويقتضي كذلك الإيمان بأنهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وأن الله مَحَّضَهُمْ لطاعته ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون وكذلك الإيمان برسله يقتضي الإيمان بهم إجمالا، ويقتضي الإيمان تفصيلا بمن سمي منهم في الوحي، ويقتضي الإيمان بأنهم مبلغون عن الله سبحانه وتعالى صادقون فيما يبلغون، وبمعجزاتهم الدالة على صدق رسالاتهم وبشرائعهم وبوجوب طاعتهم فيما بلغوه عن الله عز وجل وما أمروا به من الدين، ويقتضي كذلك خَتْمَهُمْ بمحمد r ونسخ شرائعهم بشريعته، ويقتضي وجوبَ تصديق النبي r في كل ما أخبر به ووجوبَ طاعته في كل ما أمر به، وأن لا يعبد الله إلا بما بلغ عنه، وأن ما جاء به ناسخ لكل ما قبله، مصدق لما بين يديه من الحق أيضا، كذلك الإيمان باليوم الآخر يقتضي الإيمان بالقيامة، وهي قيامتان قيامة صغرى وهي الموت، إذا مات ابن آدم فقد قامت قيامته، القبر أول منازل الآخرة، والحياة البرزخية داخلة في هذه القيامة الصغرى، كضمة القبر وفتنة القبر التي هي سؤال الملكين، ثم بعدها عذاب القبر أو نعيمه، وأن الأرواح باقية فيه في البرزخ: فأرواح السعداء في حواصل طير خضر تسرح في أشجار الجنة وتقطف من ثمارها، وأرواح الأشقياء معذبة في البرزخ، وعذاب القبر لا يختص بالكفار بل قد يعذب به بعض أهل الإيمان، تكفيرا لسيئاتهم وإذا خرجوا وبعثوا فيكون جزاؤهم قد استوفي في مرحلة البرزخ، ثم بعد ذلك القيامة الكبرى والإيمان بها يشمل الإيمان بأشراط الساعة، كخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها ورفع القرآن وخروج المسيح الدخال، ونزول المسيح بن مريم، والدخان، والنار التي تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، وخروج يأجوج ومأجوج والملحمة الكبرى التي ستقع قبيل الساعة والخسف الذي يكون بالمشرق وبالمغرب وبجزيرة العرب، فهذه يجب الإيمان بها كالإيمان باليوم الآخر لأنها من أشراطه وعلاماته، ثم بعد هذا مواقف القيامة وأولها النفخة نفخة الفزع إذا أذن الله لإسرافيل بالنفخ في الصور، فينفخ النفخة الأولى فيصعق الناس جميعا، ثم ينفخ النفخة الثانية بعد أربعين سنة فإذا هم قيام ينظرون، وحينئذ تُدْحَى الأرض وتشقق وتكون جبالها كالعهن المنفوش، وتخرج كنوزَها وكلَّ ما فيها، وتُشَقَّقُ السماء وتُطْوَى كطي السجل للكتب، وينادى بالناس هلموا إلى ربكم فيخرجون من الأجداث إلى ربهم ينسلون، ويجتمعون جميعا في الساهرة، والموقف فيها يدوم طويلا، ﴿وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون وفيه يؤتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام في كل زمام سبعون ألف ملك فتحيط بالناس من كل جانب، وفي الموقف كذلك الشفاعة وتجلي الباري سبحانه وتعالى لفصل الخصام، ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية، ووضعه للمنابر من النور للمقسطين، وكذلك محاسبته للخلائق ووضع الموازين التي هي القسط ليوم القيامة، واقتصاصه للمظلوم من الظالم حتى يقتاد للشاة الجماء من الشاة القرناء، وبعد ذلك تطاير الصحف وأخذ الكتب إما باليمين وإما بالشمال، ثم بعد هذا إزلاف الجنة والنار ونصب الصراط على النار وعبور الناس عليه، ثم بعد ذلك دخول الجنة أو دخول النار، فكل ذلك من مشاهد القيامة الداخلة في الإيمان باليوم الآخر، وكذلك الإيمان بالقدر يدخل فيه كثير من المسائل الجزئية كالإيمان بأم الكتاب التي لا محو فيها ولا تغيير، وهي الصحف التي عند الله فوق عرشه، والإيمان باللوح المحفوظ الذي يكتب فيه ما يقع في السنة، والإيمان بليلة القدر التي يفرق فيها كل أمر حكيم، والإيمان كذلك بما يكتب مع الإنسان وهو جنين في بطن أمه من رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، وكذلك ما يكتب من المصائب التي تنزل بالناس، {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} ومثل ذلك من مسائل القدر، علم أن لا نافع ولا ضار إلا الله سبحانه وتعالى وأن الأسباب إنما هي من الشرع لا من القدر، فمن عمل بشيء من الأسباب فإنها لا ترفع عنه شيئا كان مقدرا له، ولا تجلب له شيئا كان مقدرا له كذلك، وإنما يعمل بها امتثالا للشرع فقط، هذا معنى كونها من الشرع، وكذلك الإيمان بأن الطيرة منافية للإيمان بالقدر، ومن الإيمان بالقدر كذلك عدم التطلع إلى علم الغيب، بالأخص ما يتعلق بالكهانة والتنجيم وخُلطة الجن ونحو ذلك كل هذا مما ينافي الإيمان بقدر الله سبحانه وتعالى، فهذا راجع إلى هذه المسائل كلها، وهذه هي مسائل هذا العلم.

إذن هذه هي المقدمات العشر ونعود للبدء بكتاب الشيخ محمد رحمه الله تعالى، فقد افتتحه بقوله: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم وهذا الافتتاح تَسَنُّنٌ بسنة الله سبحانه وتعالى، فإن الله تعالى افتتح كتابه بالبسملة، وافتتح كل سورة منه بالبسملة كذلك، وقد اختلف في قرآنيتها هل هي آية من القرآن مطلقة ليست من سورة واحدة إلا ما كان جزءا من آية من سورة النمل في كتاب سليمان: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم وإلا في مقدمة براءة فليست منها قطعا، وذهب آخرون إلى أنها ليست من القرآن وإنما هي رقية أنزلت على محمد r وبقيت بعده تشريفا لأمته، وهذا الخلاف يترتب عليه بعض المسائل العملية كعدم قراءتها في الفاتحة في الصلاة، فعند الشافعي من لم يقرأ بها فقد ترك آية من الفاتحة فتبطل صلاته، وعند الجمهور يسن سنةً مؤكدةً للقارئ في الصلاة أن يفتتح بها الفاتحة وغيرها من السور، لكن إن لم يفعل فصلاته صحيحة.

وقد ورد في الافتتاح بها عدد من الأحاديث منها افتتاح رسول الله r بها في كتبه، فقد أمر عليا في كتابته لصلح الحديبية أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل بل اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقد كان أهل الجاهلية يفتتحون كتبهم بذلك، فأمره النبي r أن يعدل إلى ما قال سهيل لأنه لا ينافي التوحيد وليس فيه نقص، فكتب باسمك اللهم، وقد ورد أيضا أنه r قال: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر وفي رواية أقطع وفي رواية أجذم» وذو بال معناه ذو قدر، والبال في الأصل القلب، ويطلق مجازا على ما يهتم له القلب، فكل أمر يهتم به القلب يسمى بالا أيضا من تسمية المظروف باسم الظرف، وإطلاق البال على القلب مشتهر في اللغة ومنه قول الشاعر:

من الدهر فلينعم لساكنك البال

 

أيا وطني إن فاتني بك سابق

 ويطلق البال على الحال، فتقول: أصلح الله بالك، أي حالك، وذلك أن الإنسان إذا صلح حاله انشرح باله، فكان هذا من ذكر السبب وإرادة المسبَّب، لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أي بهذا اللفظ، فهو أبتر أي مقطوع الذنب، فالأبتر معناه مقطوع الذنب أو الذي لم يخلف وراءه ذرية، ومنه قول الله تعالى: {إن شانئك هو الأبتر} والرواية الأخرى فهو أقطع أي مقطوع العضو، والرواية الأخرى فهو أجذم أي مقطوع اليد، والأجذم مقطوع اليد مطلقا ومنه قول عنترة في وصف الذباب:

فعل المكب على الزناد الأجذم

 

غردا يحك ذراعه بذراعه

 أي مقطوع اليدين، وفي رواية في سنن أبي داود كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله أو بالحمد، فإما أن يحمل هذا على أن الرواية ببسم الله أي بكل اسم الله فيدخل في ذلك حمد الله، أو أن المقصود بالرواية الأولى ببسم الله الرحمن الرحيم بهذا اللفظ وفي الرواية الثانية بالحمد لله أي بهذا اللفظ فيقع التعارض حينئذ، وقد جمع بعض أهل العلم بأن رواية بسم الله للابتداء الحقيقي، وأن رواية الحمد لله للابتداء النسبي وهذه سنة الله في كتابه، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، هذا افتتاح القرآن والباء هنا حرف جر، ولها عدد من المعاني أربعة عشر معنى، ومحملها هنا على الاستعانة، أو على التعدية، فالتعدية لعاملها المحذوف الذي يتعلق به الكلام، معناه أفتتح أو أبتدئ أو أولف بسم الله الرحمن الرحيم، إما مستعينا باسم الله الرحمن الرحيم، وإما للتعدية معناه معتمدا عليه متوكلا عليه سبحانه وتعالى، ومتعلق حرف الجر محذوف، يمكن أن يكون اسما ويمكن أن يكون فعلا ويمكن أن يكون متقدما ويمكن أن يكون متأخرا، فقد يكون فعلا متقدما كقول الله تعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق فالمتعلَّق هو هذا الفعل المتقدم، ويمكن أن يكون اسما سواء كان متقدما أو متأخرا، ومن وروده متأخرا قول الله تعالى: ﴿باسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم فمجراها هو متعلق الباء، مجراها باسم الله الرحمن الرحيم ومرساها باسم الله الرحمن الرحيم وهما اسمان، ونكتة حذف المتعلق هنا للابتداء الحقيقي بهذا الاسم الشريف، وأيضا لئلا يُسْبَق اسم الله بأي كلام آخر في الافتتاح، وأيضا ليناسب كلَّ مقام، فكل مقام يمكن أن يفتتح بهذا اللفظ، والاسم هو ما أنبأ عن المسمى وهو مشتق من سما يسمو بمعنى ارتفع لأنه يعلي مسماه ويرفعه من المجهولية إلى المعلومية، أو هو من وسمه إذا وضع عليه علامة فالاسم علامة على مسماه، والقول الأول قول البصريين والقول الثاني قول الكوفيين، وقول البصريين أقوى لأنك تقول: سميت ابني زيدا ولا تقول وسمت ابني زيدا، وتقول أسماء ولا تقول أوسام في جمع التكسير، وتقول في تصغيره سمي ولا تقول وسيم، فدل هذا على أنه من سما يسمو لا من وسم، وهذا اللفظ فيه لغات في لغة العرب ترجع إلى عشر لغات أو ثماني عشرة لغة، فتقوم اسم بكسر الهمزة وأسم بفتحها وأسم بضمها، فالهمزة مثل، وتقول سم بفتح السين وسم بكسرها وسم بضمها فالسين مثلثة، وتقول سمى بالقصر وسمى بالكسر وسمى بالضم، وتقول سماء بالفتح والمد وسماء بالكسر والمد وسماء بالضم والمد، وتقول سمة وسمة وسمة كذلك بالتثليث، وتقول سماة وسماة وسماة بالتثليث كذلك، فهذه ثماني عشرة لغة، قد نظمها بعضهم ببيت واحد فقال:

سماة ثلثهن نلت المكرمه

 

اسم سم سمى سماء وسمه

 فهي ستة مثلثة بثمانية عشر، والمقصود باسم الله هنا ما له من الأسماء، فيشمل ذلك ما عرفنا وما جهلنا من أسماء الله سبحانه وتعالى، وقيل المقصود به هذا الاسم الشريف الذي هو الله، هو مضاف إليه ما قبله،وهو الاسم الذي يدل على الذات والصفات كلها، وغيره من الأسماء يدل على صفة واحدة اشتق منها مع الذات طبعا، والله اختلف فيه هل هو من العربية أو من كل اللغات، والذين يرونه من العربية اختلفوا هل هو مشتق أو مرتجل، فذهب بعضهم إلى أنه مشتق وأن أصله الإله، فكثر استعماله على الألسنة فحذفت الهمزة وادُّغمت اللام في اللام فقيل الله، والإله مشتق من لاهَ بمعنى علا وسما، ومنه أطلقت الإلهة على الشمس لارتفاعها، قال الشاعر:

وأعجلنا الإلهة أن تغيبا

 

تروحنا من الدهناء عصرا

 أو من لاه بمعنى احتجب لأنه لا تدركه الأبصار، ومنه قول الشاعر:

يا ليتها برزت حتى عرفناها

 

لاهت فما عرفت يوما بخارجة

أو من أله إليه إذا اشتاق لاشتياق قلوب العابدين إليه سبحانه وتعالى بعبادته، أو من أله إليه في حوائجه أي رفعها إليه:

فألفيتكم فيها كراما أماجدا

 

ألهت إليكم في أمور تهمني

 الرحمن الرحيم اسمان مشتقان من الرحمة، كلاهما صفة مشبهة، أما الرحمن فمعناه ذو الرحمة العامة بالخلائق في الدنيا، وأما الرحيم فذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين في الآخرة، والرحمة قسمان، صفة قديمة من صفاة الله سبحانه وتعالى، ومتعلق تلك الصفة المخلوق وهو النفع الواصل إلى عباد الله من رحمته، فرحمة الله القديمة هي صفة ذاته، ورحمته المخلوقة نفعه لعباده، ولذلك ثبت في الصحيح أن النبي r قال: «إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فادخر عنده تسعا وتسعين رحمة لعباده المؤمنين في الجنة، وأنزل رحمة واحدة فبها يتراحم الخلائق فيما بينهم حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها فهذه الرحمة المخلوقة، وهي أثر الرحمة القديمة التي هي صفة الله سبحانه، والرحمن استعمل استعمال الأسماء في القرآن ولم يستعمل في القرآن من أسماء الله استعمال الأسماء إلا لفظ الله أو لفظ الرحمن فلذلك قال الله تعالى: {الرحمن علم القرآن خلق الإنسان} وقال تعالى: {قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا}.

والناس في الصفات على مذاهب، فمنها مذهب الجهمية الذين ينفون الصفات بالكلية، وهؤلاء يكذبون النص حين يزعمون أن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن ينسب إليه وجه ولا يد ولا عين.. الخ والمذهب الثاني مذهب المعتزلة الذين يعطلون النص فيقرون بوجوده وأنه من كلام الله، ولكنهم يعطلونه، فيرون أنه خال من المعنى، فلا يثبتون لله إلا أسماء هذه الصفات فقط دون مسمياتها ومعانيها، والمذهب الثالث مذهب المؤولة، ومنهم بعض الأشاعرة أي جمهورهم والمتأخرون منهم، وكذلك الماتريدية، وهؤلاء يثبتون النص كما جاء عن الله وعن رسوله r ويثبتون دلالته أن له معنى ولكنهم يصرفون ذلك المعنى إلى غيره إعمالا للقياس لأن الصحابة رضوان الله عليهم حين استشكلوا المعية العامة في قوله تعالى: ﴿وهو معكم أين ما كنتم وفي قوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلى هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أولوها بالعلم والإحاطة فقاس هؤلاء على المعية تلك الصفات حين استشكلوها.

المذهب الرابع مذهب المشبهة الذين يثبتون هذه الصفات على ما يليق بالمخلوق، فيثبتون لله يدا كأيدي المخلوقين ووجها كأوجههم تعالى الله عن ذلك.

والمذهب الخامس مذهب أهل الحق الذين يثبتون هذه الصفات لله سبحانه وتعالى على ما يليق بالله، فيبقونها على ظاهرها دون تأويل، ويثبتون معانيها دون تعطيل، ويثبتون ألفاظها دون تحريف، ولكنهم لا يشبهونها بما يشركها بالاسم في المخلوق، ومجرد الاشتراك في الاسم لا يقتضي تشبيها ولا تمثيلا، وهذا هو المذهب الصحيح.

فإذن المذاهب هنا غير متساوية، وما ذكره المؤلف يناسب مذهب نفاة الصفات من الجهمية أو المعتزلة، فالمذهبان الأولان مذهب الجهمية ومذهب المعتزلة هما اللذان يطلق عليهما مذهب النفاة، لأنهم الذين ينفون الصفاة، أما الأشاعرة فلا ينفونها ولكنهم يؤولونها فهم منزلة دون أولئك، فلا يمكن أن يقال كل من أول الصفة فقد نفاها لأن من قال ذلك يزعم أن أم سلمة وابن عباس قد نفيا المعية الثابتة في القرآن لأنهما ثبت أنهما أولاها بالعلم، إذن هذا التفصيل لا بد من ذكره هنا، وهو مما يغلط فيه كثير من الناس، والشيخ رحمه الله ما أراد هنا التعصب ولا التحامل وإنما جرى على ما هو مشتهر لدى كثير ممن سبقه من الحنابلة فيما بعد فتنة القشيري، وأيضا لا شك أن كثيرا من الأشاعرة يقعون في بعض الأخطاء الفادحة في هذا فيخرجون عن مذهب الأشعري فيه إلى مذهب المعتزلة في بعض الأحيان وقد يخرج بعضهم إلى مذهب الجهمية النفاة نسأل الله السلامة والعافية.

ثم قال المؤلف رحمه الله: «كتاب التوحيد» والكتاب في الأصل الأوراق التي تخاط، إذا اجتمع فيها من الكلام ما يكون مترابطا فتخاط بخيط أي تكتب به، الكتابة في الأصل بمعنى الخياطة، ثم نقلت إلى رسم الحروف، فسمي رسم الحروف كتابة، رسم الحروف أي كتابتها والضرب بها:

قد طالما ضربت باللام والألف

 

تخطه من بوادي المصر كاتبة

 فيسمى ذلك كتابة، وفي الاصطلاح يطلق الكتاب على ما يكتب من الألفاظ المتناولة لمعان متقاربة أو متناسقة، ومن ذلك إطلاق الكتاب على القرآن المنزل من عند الله وإن كان لم ينزل كتابة وإنما أنزل على قلب محمد r، لكن بما أنه رسالة من عند الله إلى عباده والرسالة كثيرا ما تؤدى عن طريق الكتابة سمي كتابا، أما التوراة مثلا فهي كتاب لأن الله كتبها بيمينه في الألواح ولم ينزلها على قلب موسى وإنما أنزلت الألواح فأخذها موسى وقد كتبت فيها التوراة، ومثل ذك الصحف التي أنزلت إلى إبراهيم والصحف التي أنزلت على موسى وغيرُها إنما هي كتب لأنها أنزلت مكتوبة، والقرآن أنزل على قلب محمد r ولم يأت مكتوبا والرسول r لم يكن يكتب كما قال الله تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} ويطلق الكتاب كذلك على الوحدة الكبرى من وحدات العلم، فإذا جمع علم ما في كتاب من الكتب فإن تفصيله الأكبر يكون بالكتب وتحت الكتب الأبواب وتحت الأبواب الفصول وهكذا، والتوحيد تفعيل مصدر وحد يوحد توحيدا، ومعناه إثبات الوحدانية لله سبحانه وتعالى.

ثم قال: قال الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} هذا أول ما افتتح به كتاب التوحيد ولم يجعل له مقدمات سلوكا لطريق المحدثين الأوائل، وافتتحه بهذه الآية العظيمة التي تبين مهمة الجن والإنس في هذه الحياة الدنيا التي من أجلها خلقوا، فالإنس لهم خمسة أعمار، العمر الأول عمر عالم الذر وهو منذ أخذوا من ظهر آدم عندما مسح الله ظهره فأخرج منه ذريته فقال: ألست بربكم قالوا بلى، وهذا العمر طويل جدا لكن التكليف فيه بالتوحيد فقط، لأنه قال: ألست بربكم قالوا بلى، قالها مسلمهم وكافرهم، والعمر الثاني عمره فوق الأرض وهو الذي تقع به التكاليف بالأعمال وهو امتحان الإنسان الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، وهو قصير إذا قورن بغيره من الأعمار، والعمر الثالث عمر الإنسان تحت الأرض في البرزخ ويسأل فيه أيضا كما يأتي في مسائل القبر ما ربك وما دينك وما كنت تقول في هذا الرجل، وقد يعجل فيه بعض العقاب على بعض المسائل تطهيرا للإنسان، كما قال رسول الله r حين مر بقبرين جديدين: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ثم قال: بلى أما أحدهما فكان لا يستتر من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، وكذلك قال: استتروا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» فهذا مما يعذب به في القبور، نسأل الله السلامة.

 

 

 

 

يتبع


عدد مرات القراءة : 7767



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              14160813
المتواجدون الأن       14
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو