» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
سلسلة العلوم الشرعية الشريط الثاني عشر




لا شك أن المعجزات ما يراد منها به الإثبات إثبات النبوة والحجية على الناس يحتاج فيه إلى القطع، لأن عليه مبنى الإيمان، فلذلك لا يمكن أن تعامل معاملة غيرها من السير، لكن مع هذا هم يقولون بمجموع هذه حصل اليقين، فما زاد على ذلك يكون بمثابة ما يستأنس به.

بالنسبة لرد الشبهات المتعلقة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم قديما أهم الكتب المؤلفة في هذا كتاب الشفا للقاضي عياض كما ذكرنا من قبل، وشروحه أيضا شروح الكتاب هذا، وفيما بعد ذلك جاءت الشبهات التي تجمع بين السنة والسيرة، ومن أهم الكتب في الرد على أصحابها كتاب السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للأستاذ مصطفى السباعي، وكذلك كتاب المعلمين كتاب المعلمين في رده على أبي رية، وكتاب دفاع عن أبي هريرة كذلك، الكتب التي ترد الشبهات، الدفاع عن السنة والعقيدة وغير هذا، كتب كثيرة جدا ترد على شبهات المستشرقين وأذيالهم، فمن الكتب التي ترد على الشبهات أيضا حول التاريخ الإسلامي عموما وبالأخص الخلفاء والصحابة وما شجر بينهم كتاب: العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي، وهذا الكتاب طبع قديما كاملا تحت إشراف الشيخ عبد الحميد بن باديس، ثم اختار منه محب الدين الخطيب جزءا استله منه وطبع وأصبح اليوم يشتهر باسم الكتاب، ولكن الواقع أنه فقط جزء من الكتاب، جزء صغير، لا لكن ما طبع بعد تلك الطبعة الجزائرية القديمة، أصبح الناس اليوم إذا طبعوا الكتاب طبع الآن ثماني عشرة طبعة كتاب محب الدين الخطيب وهو سلالة فقط منه.

بالنسبة للمدح التي مدح بها النبي صلى الله عليه وسلم كذلك قد ألف فيها بعض الكتب المختصة، مثل كتاب المنح في المدح لابن سيد الناس، وذكر فيه مدح الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم فقط، ما مدح به الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ألف بعد ذلك كثير من المدائح النبوية، بعضها دواوين شعر كاملة، مثل ديوان البرعي، كثير من القصائد التي فيه في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، البرعي الإمام، كثير من قصائده في مدح النبي صلى الله عليه وسلم.

كذلك اشتهرت قصائد البوصيري، وذلك لإجادته للشعر وإتقانه له حتى لم يكن في عصره من هو مثله، ولهذا قال هو في نفسه:

أنا حسان مدحكم فإذا ما                   نحت فيكم فإنني الخنساء

في همزيته، أنا حسان مدحكم، قاس نفسه بحسان بن ثابت في المدح، فإذا ما نحت فيكم فإنني الخنساء، قاس نفسه في الرثاء بالخنساء، وقد شرحت قصائده أيضا فزادها ذلك شهرة بين الناس، شرحت البردة وشرحت الهمزية، دليس شرح الهمزية شرحا مطولا.

بالنسبة لهذه الشطحات التي قد تقع، هو له ملتمس فيها، هو أن الضمائر التي قد يظن بعض الناس إذا قرأها وبالأخص من ليس من أهل البلاغة أنها تعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما قصد إعادتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أراد إعادتها على الله تعالى، وتداخل الضمائر في هذا النوع مقبول في اللغة، مثل قول الله تعالى: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا}، فالضمير في قوله: وتسبحوه بكرة وأصيلا ليس للنبي صلى الله عليه وسلم الذي ترجع عليه الضمائر السابقة وإنما هو لله عز وجل.

وكذلك قصد هو في بعض المواقع من بردته، لكن يفهم بعض الناس ذلك على وجه غلط أنه يقصد به النبي صلى الله عليه وسلم.

نعم هذا يقصد به الله عز وجل:

فإن من جودك الدنيا وضرتها             ومن علومك علم اللوح والقلم

هذا ثناء على الله عز وجل، لكن هذا يقع في البلاغة كثيرا وهو كثير في الشعر وفي القرآن أيضا نظائر منه كثيرة، نعم هو لا شك صوفي لكن ليس مثل ابن الفارض مثلا، وأيضا هو مبدع جدا في الشعر وفي الوصف وفي الثناء، فهو مع هذا قد يكون بسبب محبته للنبي صلى الله عليه وسلم بعض الكرامات التي ظهرت على يديه، وبعض الأحوال التي تحصل لبعض المحبين من قراءة قصائده.


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا  محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما علم التاريخ الإسلامي فهو علم من العلوم الإسلامية التي كانت في الأصل تابعة لعلم الحديث وعلم التفسير ثم استقلت بالتأليف وانفردت، وتعريفه أنه العلم بحوادث السنين ووفيات الأعيان، وأخبار الملوك، فيهتم بهذه الأمور الثلاثة أساسا، حوادث السنين وما يحصل فيها من الأمور المهمة كفتوح البلدان والآيات الكونية المهمة، ومثل ذلك الغزوات حتى أيام العدو في بلاد المسلمين، وكذلك ما يتعلق بوفيات الأعيان لبيان أعيان كل زمن وتاريخ أولئك الأعيان، ثم بعد ذلك بأخبار الملوك توليهم وعزلهم وما يتعلق بذلك.

وبتعريفه يعرف موضوعه، فموضوعه القصص عن الماضين، ويمكن أن يضاف إلى ذلك العبر في المستقبل، فإن الزمان يعيد نفسه، ولهذا فإن كثيرا من المؤرخين يضعون في كتبهم هذا الاعتبار، فيشيرون به إلى المستقبل، فالذهبي في تاريخه سماه كتاب العبر بأخبار من غبر، والعبر لاعتبارنا نحن بأخبار السابقين، وكذلك ابن خلدون سمى كتابه: كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أخبار من غبر، وأخبار العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر.

فجعله ديوانا للمبتدأ والخبر، المبتدأ لأخبار الماضين والخبر للمستقبل، وهذا فيه تلميح لتركيب الجملة الاسمية بمبتدئها وخبرها، وكذلك أنه يعرف بالأشخاص أولا ثم يذكر الحكم عليهم بأوصافهم لأن المبتدأ معرفة والخبر هو الحكم عليه، الخبر حكم على المبتدإ، ولا يمكن الحكم على المجهول.

وكذلك فإنه يلمح أيضا إلى الخبر الذي هو القصة مع المبتدإ الذي هو المنشأ أي منشأ القصص وأسبابها، المبتدأ أي منشأ القصة والخبر هو القصة نفسها التي يتحدث بها، لأن الخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب.

ومثل ذلك ما فعل ابن كثير في تاريخه فإنه سماه: البداية والنهاية، فالبداية لأخبار الماضين والنهاية لما سيأتي في المستقبل....

أما واضع هذا العلم فلا يعرف، وبالأخص أنه من علوم الأقدمين، فقد كانت كل أمة تعتني بتاريخها، وتهتم بتدوينه، وقد اعتنى ملوك الفرس قديما بتدوين تواريخهم، وكذلك ملوك الصين، وقد استدل الله سبحانه وتعالى في كتابه بالتاريخ على اليهود، مما يشعر أيضا بأن اليهود كانوا يعتنون بالتاريخ، فقال تعالى: {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين}، إلى أن قال: {وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده}، وهذا استدلال بالتاريخ، فإن اليهود زعموا أن إبراهيم كان يهوديا، فقال: {وما أنزلت التوراة إلا من بعده}، كيف يكون يهوديا واليهودية منشؤها من نزول التوراة، والنصارى زعموا أنه نصراني فكيف يكون كذلك وما أنزل الإنجيل إلا من بعده ونشأة النصرانية من نزول الإنجيل.

وكذلك في تفنيد بعض أخبارهم جاء أيضا الاستدلال بالتاريخ في القرآن في قول الله تعالى: {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها}، فهذا احتجاج على اليهود بالتاريخ، من قبل أن تنزل التوراة، وفي المسلمين من أوائل الذين اعتنوا بالتاريخ وسطروه عروة بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما، ولكنه لم يكتب في ذلك شيئا، وإنما كان يجمع القصص ويرويها، ويقال: اعتنى قبله بهذا الفن عقيل بن أبي طالب، وقد كان نسابة العرب وخبيرا بأيامهم وتواريخهم، وكان يحدث بها في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في أيام عمر بن الخطاب، وقبل ذلك كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه مهتما بأنساب العرب وأخبارهم، ولهذا حين جاء حسان إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في هجاء قريش أذن له وقال: كيف تهجوهم وأنا منهم، قال: لأنتزعنك منهم كما تسل الشعرة من العجين، قال: اذهب إلى أبي بكر فاستعن به، ثم قال: اهجهم وروح القدس معك، فلما جاء شعره إلى قريش إذا فيه:

وإن كرام الأصل من آل هاشم             بنو بنت مخزوم ووالدك العبد

فقالت قريش هذا شعر والله ما غاب عنه ابن أبي قحافة، فإن أولاد عبد المطلب اثنا عشر ولدا وعبد الله بن عبد المطلب وأبو طالب وبعض إخوتهما أمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ولذلك قال: وإن كرام الأصل من آل هاشم بنو بنت مخزوم ووالدك العبد، وهو هنا يهجو أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، ومن أوائل الذين ألفوا في هذا العلم خليفة بن خياط الذي يلقب بشباب وهو شيخ البخاري، قد ألف كتابه التاريخ واعتنى فيه بثلاثة أمور من حوادث السنين، الأمر الأول من توفي في تلك السنة من الأعيان، والأمر الثاني من قاد الشاتية فيها ومن قاد الصائفة والأمر الثالث من أقام الحج للناس، اعتنى بهذه الأمور فقط، الشاتية أي الفرقة الغازية التي تخرج في الشتاء، والصائفة أي الطائفة التي تخرج للجهاد في الصيف ، وكتابه ليس بالكبير.

وألف أيضا كتاب الطبقات اختص بطبقات الرواة، ثم جاء بعده محمد بن سعد كاتب الواقدي، وقد اعتنى ببعض التأريخ في كتابه الطبقات الكبرى، وبالأخص ما يتعلق بسكن الرواة والمدن التي أقاموا فيها، واعتنى بهذا عناية فائقة، فهو المرجع الأكبر فيما يتعلق بسكنى الأمصار، فيذكر الطبقات من سكان المدينة ومن سكان البصرة ومن سكان الكوفة ومن سكان مصر ومن سكان الشام، ويميزهم بذلك، وكذلك اعتنى بفصل الرجال عن النساء فهو أول من فصل النساء وجعل لهن كتابا مستقلا في آخر كتابه، ثم جاء الإمام البخاري فاعتنى بتاريخ أهل الحديث بالخصوص وألف فيه كتابه التاريخ الكبير، وقد سبق ذكره في كتب الرجال، لكن نظرا لأنه قد اعتنى أيضا ببعض وفيات الرواة وإن كان لم يعتن بها عناية كاملة، فكثير من الرواة لم يذكر شيئا يتعلق بتاريخهم، ولكن نظرا لاسم الكتاب لأنه اسمه التأريخ عد في كتب التاريخ، وهذا الكتاب عندما عرضه البخاري على إسحاق بن راهويه نظر فيه فتعجب فقال: ما هو إلا السحر، فهو أول كتاب يرتب على حروف المعجم، على الحروف الأوائل من أسماء الرواة والتوالي والتوالي، فجعله إسحاق من السحر، لأن الله فتح للبخاري فيه فتحا عجيبا في الترتيب ومنه انطلقت المعاجم كلها.

ومن مشاهير الذين ألفوا في هذا العلم محمد بن جرير الطبري أبو جعفر المتوفى سنة ثلاثمائة وعشر، قد سبق أنه من أوائل المؤلفين أيضا في التفسير، وتأريخه بدأه ببعض قصص الأنبياء والسالفين وأخبار الملوك والأمم السابقة، ولهذا سمى كتابه أخبار الأمم والملوك، لكن ما يتعلق بأخبار الصحابة منه أكثره مروي عن طريق لا يثبت، إما عن طريق أبي السائب عن أبي صالح، وهذا طريق الكذابين كما يعرف عند أهل الحديث، محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح، وإما عن طريق الواقدي وقد سبق أنه متروك، وإما عن طريق أبي مخنف وقد كان شيعيا متعصبا، وإما عن طريق ابن أبي مريم وهو كذاب أيضا، ومع هذا ففيه كثير من القصص والأخبار الأخرى بعضها من مشاهداته وبعضها من المتواترات التي رواها الناس، وقد دونها في كتابه فكان مرجعا في هذا الباب.

ومن الذين اعتنوا كذلك بتدوين هذه القصص والأخبار ابن الأثير الأكبر، فقد اشتهر في هذه الأسرة ثلاثة من العلماء، ابن الأثير الأكبر هو المؤرخ، والأوسط هو النحوي، والأصغر هو المحدث اللغوي هو أبو السعادات الذي ألف جامع الأصول وألف النهاية في غريب الحديث، أما الأكبر فهو الذي ألف تاريخه الذي سماه بالكامل، وهو كتاب حافل اعتمد كثيرا على ابن جرير ولكنه زاد عليه وذكر أخبار ملوك زمانه والفتن التي حصلت في أيام دولة بني العباس، ووثقها لأنه كان في قلب الأحداث وكان مقربا من السلطات في ذلك العصر، وكان من سكان مدينة الموصل، وهي مدينة تتوسط بين ديار بكر وديار أواسط العراق وبين الرافدين وبلاد الترك، وهي كذلك طريق المشرق كله إلى الشام، منفذ المشرق كله على الشام، وقد كانت في أول دولة بني العباس دولة صغيرة، فلما ولى عليها هارون الرشيد يزيد بن مزيد دخلها وقد عقد له لواء على رمح، فلما دخل من الحصن انكسر الرمح الذي عليه اللواء فتطير بذلك، فقال علي بن الجهم وهو أحد الشعراء المشاهير وكان مرافقا له:

ما كان مندق اللواء بريبة                  تخشى ولا سبب يكون مزيلا

لكن رأى صغر الولاية فانثنى              متقصدا لما استقل الموصلا

قد استقل الموصل عن أن تكون ولاية ليزيد، فكبرها هارون الرشيد في ذلك الوقت وجعلها إحدى العواصم، واستمر الحال على ذلك حتى أصبحت فيما بعد دولة مستقلة، عاصمة لدولة مستقلة تابعة للخلافة الإسلامية في بغداد، وعموما فكتابه أيضا مرتب ترتيبا جيدا، لا تتكرر فيه الأحداث ويحال فيه على مواضع مختلفة، كحال كتاب ابن كثير وكتاب ابن كثير وهو البداية والنهاية ديوان حافل كذلك بالأخبار، وقد جمع فيه تاريخ المشارق والمغارب، لكن ترتيبه غير جيد لأنه تتداخل الأخبار فيه بتراجم الرجال ويسير في الترتيب على السنين ثم إذا جاءت وفاة رجل من المشاهير في سنة من السنوات ذهب إلى سرد حياة ذلك الرجل فذكر سنوات مضت وسنوات تأتي فيتداخل التاريخ، وأيضا فإن ابن كثير رحمه الله مع أنه إمام من أئمة الحديث والتفسير لم يعتن كثيرا بتدقيق الحكايات والقصص في الكتاب، ومن العجائب أن أكثر المؤرخين حتى في القصص التي أدركوها والأمور التي كان ينبغي أن يحدثوا عنها تنتهي كتبهم قبل الوصول إليها، فمن المهم للمؤرخ أن يكتب أولا ما في عصره هو مما شهده لأنه الذي صح عنده، وهذا في الغالب لا يشتغل به المؤرخون، يكتبون في أخبار السابقين ويتكل أن في العمر فسحة وبقية ويموت قبل أن يدون لنا تاريخه هو، إلا الذهبي رحمه الله فإنه قد اعتنى بالكتابة كثيرا فوفق في كتابة ما كان في أيام حياته في عدد من كتبه سواء منها ما كان في تراجم الرجال مثل تذكرة الحفاظ ومثل سير أعلام النبلاء، أو ما كان منها في التاريخ المحض مثل تاريخ الإسلام فإنه استمر فيه إلى أواسط حياته هو، وقد وضع بعض الذيول على بعض كتب السابقين ذكر فيها ما شهده هو، كذيله على تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وغيره من الذيول التي وضعها على كتب السابقين.

وعموما فإن الذهبي أحسن المؤرخين من ناحية التصحيح والتضعيف للقصص والأخبار والتثبت فيها، فإنه في كثير من الأحيان يرويها بالأسانيد، ويطعن في المطعون فيه منها، ويحدث عن مشاهداته والغرائب التي رآها.

أما الكتب المسماة بتواريخ البلدان فهي داخلة في علم الرجال وعلم الحديث كما سبق مثل تاريخ بغداد ومثل تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر، ومثل تاريخ جرجان ومثل تاريخ إصفهان، وغيرها من الكتب المسماة بالتاريخ، مثل تواريخ يحيى بن معين الثلاثة، فهذه لتراجم الرجال بالخصوص رجال الحديث، ثم جاء ابن خلدون فكان صاحب نظرية مستقلة وهي تحليل الأحداث لاستخراج تأثير علم الاجتماع، تأثير الاجتماع في الناس، فيفهم الأوضاع ليس فهما فرديا بل فهما جماعيا ويحلل الأسباب التي تؤدي إلى الأحداث، وقد تميز تاريخ ابن خلدون بالمقدمة التي هي        أشهر منه، وقد أفردت وجعلت كتابا مستقلا، وهذه المقدمة كانت كشكولا للعلوم الإسلامية فأدرج فيها العلوم الدينية والدنيوية الموجودة في زمانه وبين فوائد كل علم من هذه العلوم، وبعض تاريخ تلك العلوم وآثارها في الناس، ويأخذ الدروس والعبر المتكررة من المقارنة في الأحداث بين المشرق والمغرب، وبالأخص ما يتعلق بسقوط الدول، وما يتعلق بنشأة الحروب، ونحو هذا فكان صاحب نظرية هو رجل عملاق من ناحية الفلسفة، وقد شارك في عدة ثورات، أسقط نظام الحكم في عدة بلدان بنفسه.

وقد كان أيام كان بالمغرب يجمع تواريخ المغرب كلها، فلما ذهب إلى المشرق في سفينة غرقت السفينة ونجا هو منها وقد غرقت كتبه، وقد حصل في حياته كثير من التطورات وشاهد كثيرا من الأحداث العجيبة، فهو قد نجا من الطاعون الذي أهلك الناس بتونس، فلم ينج من آل بيته إلا هو، وجهل نسبه فلم يعرف كم بينه وبين جده الأعلى الذي هو خلدون، فهو يعرف أنه جده لكن لا يدري كم بينه وبينه من أب، هل بينه وبينه ثلاثة آباء أو أربعة أو ثلاثة أو اثنين ما يدري، نسابة الدنيا ولا يعرف ما بينه وبين خلدون من الآباء، بسبب هذا الطاعون الذي قضى على كل شيء، فكان تاريخه معتنيا كثيرا بأخبار الدول والسياسات والحروب، وقد اعتنى المغاربة والأندلسيون كذلك بتواريخهم بالخصوص، فقد كان ابن حزم من المؤرخين المشاهير في الأندلس، وقد لقي من جراء ذلك أذى كثيرا، فإنه قد تعرض لكثير من المحن بسبب كتابته في التاريخ، كتابته عن أنساب بعض القوم، وهكذا الإمام أبو عمر بن عبد البر وهو شيخ ابن حزم، قد اعتنى بالتاريخ وكتب بالخصوص في الصحابة، فهو الذي ألف كتاب الاستيعاب في تراجم الأصحاب أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا المجال من مجالات التاريخ المهمة لأن الراوي إذا ثبتت صحبته لا يبحث في عدالته لأن الصحابة جميعا عدول، لكن كيف تثبت صحبته هذا الذي يحتاج إلى تثبت وتأن، وقد ألف الحافظ أبو نعيم الإصفهاني في معرفة الصحابة، وألف كذلك ابن الأثير أسد الغابة في معرفة الصحابة، وألف هو كتابه هذا الاستيعاب بتراجم الأصحاب، وألف الحافظ ابن حجر كتابه الإصابة في تمييز الصحابة، وألف ابن حزم أيضا الصحابة الذين روي عنهم الإفتاء، وابن حزم قد جمع خلاصة علمه في الأنساب في كتابه الجمهرة في الأنساب، وسنخص كتب الأنساب بالخصوص ببعض التفصيل لأنها ذات تميز عن علم التاريخ الإسلامي.

ومن المعتنين بالتأريخ في الأندلس لسان الدين ابن الخطيب، وهو ذو الوزارتين الأديب الشاعر المشهور، مؤلفاته كثيرة جدا وقد ألف كتاب الإحاطة في تاريخ غرناطة وغيره من كتب تاريخ الأندلس.

وكذلك من المؤرخين في الأندلس المشاهير ابن بسام الذي ألف كتاب الذخيرة في محاسن الجزيرة، ثم أخيرا المقري الذي ألف نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وهو في الأصل ترجمة للسان الدين بن الخطيب، لكنه تعداه فكتب عن الأندلس كلها ووصف أمصارها وحدد أماكنها، وذكر من دخلها من الأعيان، وذكر ما ورد فيها من الأشعار والأخبار والقصص وتراجم الناس والثورات، وكان كتابا تاريخيا مهما، وكذلك في المغرب اشتهر عدد من المؤلفين في التاريخ، ومن مشاهير المتأخرين منهم المراكشي الذي ألف المُغ٦amp;#39;رِب بأخبار المغرب، والناصري السلاوي الذي ألف الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى.

كذلك اعتنى أهل مصر بتاريخها من مختلف الوجوه، فمن أوائل المعتنين بتاريخ مصر الكندي الذي ألف أخبار القضاة، ثم ألف أخبار الولاة واعتنى فقط بالذين تولوا القضاء في مصر من لدن عمرو بن العاص  إلى زمانه هو، وكذلك أخبار الولاة الذين تولوا أي ولاية في مصر من أيام الفتح الإسلامي إلى زمانه، وهذان كتابان قد طبعا منفصلين، وقد طبعهما أحد المستشرقين في كتاب واحد سماه أخبار القضاة وأخبار الولاة، وهو في الواقع كتابان منفصلان.

كذلك ألف الحافظ ابن حجر عددا من الكتب المتعلقة بتاريخ مصر مثل رفع الإصر عن أخبار قضاة مصر، ومثل كتابه الآخر الدرر الكامنة في أعيان أهل المائة الثامنة، ومثل كتابه الآخر في أهل عصره الذين لقيهم وأجازوا له.

وألف تلميذه السخاوي كتابا حافلا كبيرا بأخبار أهل مصر، وألف كذلك السيوطي حسن المحاضرة بأخبار مصر والقاهرة، وألف اليافعي كتاب مرآة الزمان، وألف كذلك ابن تغري بردي واسمه ينطق بالياء المقصورة وبالياء المنقوصة، تغري بردي أو تغرى بردى ألف كتابه النجوم الزاهرة في اخبار مصر والقاهرة.

واشتهر من المؤرخين الذين يعتنون بتواريخ الأمصار عموما ابن خلكان الذي ألف كتابه وفيات الأعيان وقد كان هذا الكتاب مثارا لكثير من التآليف الأخرى، من الزيادات عليه والإضافات والاستدراكات وغيرها، فقد وضع عليه كثير من الذيول، مثل فوات الوفيات للصفدي.. نعم عدد من الذين وضعوا عليه إضافات، نعم الوافي بالوفيات.

كذلك نحا السمعاني رحمه الله منحى آخر في التاريخ فاعتنى فقط بنسبة الأعلام، اعتنى بها من الناحية اللغوية أولا، ثم بعد ذلك يترجم لهم، فكل نسبة اشتهرت في التاريخ سواء كانت إلى بلد أو إلى قبيلة أو إلى حرفة أو تجارة أو نحو ذلك يشرح تلك النسبة ثم يبين الذين اشتهروا بهذه النسبة بأسمائهم وتواريخهم وتراجمهم، وكتابه الأنساب من الكتب المهمة في هذا الباب.

بالأخص أنه يشرح الأنساب الغريبة إلى مدن أو نسبة مندرسة إلى قرى مجهولة، أما ما يتعلق بالأنساب فهو من مكملات التاريخ، هو في الواقع علم من مكملات التاريخ، لأن الأنساب تابعة للأحساب، وإلا فالناس جميعا لآدم وآدم من تراب، لكن الناس جبلوا على التفاخر بأنسابهم والعناية بها، وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أمران من أمر الجاهلية في أمتي وهما بهم شرك الطيرة والتفاخر بالأنساب.

وقد كان بنو إسرائيل يعتنون بالأنساب قديما، واشتهر من العرب كذلك من يعتنون بأنسابهم وكانوا يتفاخرون بها ويجعلونها نسكا من أنساك الحج، فكان من أنساك الحج عندهم أن تعقد المفاخرة بالأنساب والآباء، ولهذا قال الله تعالى: {كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا}، وقد كانت تعقد الأسواق لذلك فتقام فيها المقامات لهذا الغرض، منها سوق عكاظ بالطائف وسوق ذي المجاز كان قريبا من الطائف أيضا، وغيرها من الأسواق التي كانت تقام لهذا الغرض، سوق بني قينقاع بالمدينة، وهذه الأنساب وإن كانت حصل فيها كثير من الاختلاف فقد كان من قبائل العرب من هو مذبذب لا يدرى هل هو من العدنانية أو من القحطانية وهي قبائل متعددة، وبالأخص أنها ذات كثرة مثل قبائل قضاعة كلها الكثيرة جدا، كان العرب يضربون بها المثل في العدد، ومن قبائل قضاعة بنو كلب بن وبرة بن إلحاف بن قضاعة، وكذلك بنو عذرة، وغيرهما من قبائل قضاعة، وقد سكنوا في عدنان والذي يبدو أن أصولهم من قحطان، وكذلك من القبائل المذبذبة بنو خزاعة، فقيل: خزاعة بن مالك بن حمير، وقيل بل هم من العدنانية، وهكذا فكثير من القبائل تكون مذبذبة في الأنساب.

وحتى في داخل القبيلة الواحدة قد اشتهر كثير من البطون التي يشك في نسبتها إلى أصل القبيلة، فبنو تميم قبائلهم كثيرة لكن كثيرا منها يشك في نسبتها إلى تميم بن مر بن أد بن طابخة، ولهذا يقول الفرزدق:

يعد الناسبون إلى تميم       بيوت المجد أربعة كبارا

يعدون الرباب وآل سعد            وعَم٦amp;#39;رًا ثم حنظلة الخيارا

ويسقط وسطها المرئي لغوا         كما ألغيت في الدية الحوارا

وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كذب النسابون فيما بعد عدنان، ومعنى كذب النسابون أي بالتحريف أو بالتراجم أو بذكر شيء من أخبارهم أو حتى بالزيادة والنقص كل ذلك محتمل، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم من أحاديث صحيحة أنه رفع في نسبه إلى عدنان، وكذلك ذكر أنه من ذرية إسماعيل بن إبراهيم وصح ذلك عنه في عدد من الأحاديث.

وكذلك في خؤولاته كثيرا ما يثبتها، لكن حين أتاه بنو كندة فقالوا يا رسول الله نحن بنو آكل المرار وأنت ابنه فقال: إنا بني النضر بن كنانة لا ننتسب لغيره، وآكل المرار أحد ملوك بني كندة المشاهير وهو جد النبي صلى الله عليه وسلم من جهة الخؤولة، لكنه لم يشأ الانتساب إليه.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما الرفع في النسب إلى آدم، وقد ورد ذلك عن عدد من النسابين، وهذا يمكن أن يَط٦amp;#39;َرد ويعرف في أنساب قبائل العرب، لكن يصعب العناية به في أنساب العجم، إلا أن بعض ملوك العجم قد استعانوا ببعض النسابين فوصلوا لهم أنسابهم، ولما قويت دولة بني عثمان وجدوا من النسابين من رفع لهم نسبهم إلى آدم عليه السلام، وأصل النسب إذن الذي يمكن أن يدرس ويبحث فيه هو أنساب العرب أساسا، أو أنساب بني إسرائيل أيضا لأن لبعضها أصولا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لصفية بنت حيي في إثبات نسبها إلى هارون بن عمران أخي موسى عليهما السلام، وقد ألف في الأنساب كثير من الكتب، منها ما يتعلق بأنساب بعض القبائل ومن أهمها أنساب قريش، فقد ألف فيها المصعب بن عبد الله بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، ألف كتاب نسب قريش، وكذلك ألف ابن أخيه الزبير بن بكار، وبكار اسمه أبو بكر بن عبد الله المصعبي كتابا أيضا سماه جمهرة أنساب قريش، أما نسب قريش للزبيري فقد طبع قديما على يد أحد المستشرقين وهو مطبوع في سلسلة ذخائر العرب كاملا وإن كان فيه بعض الأخطاء، فهو مطبوع على نسخة واحدة خطية، وأما كتاب الزبير بن بكار فلم يطبع، وقد طبع المؤرخ محمود شاكر نبذة منه في العام الماضي أو في العام قبل الماضي، نبذة فقط من كتاب من أواخر أنساب بني الزبيري، وفيها ذكر بعض أنساب بني أسد، واعتنى الناس كذلك بأنساب السلالة النبوية، وذلك لما يترتب على هذه الأنساب من الأحكام الشرعية، فالقرشية شرط في الإمامة، فيحتاج في إثباتها إلى إثبات النسب، ولذلك فإن الخليفة العباسي الذي قام بمصر بعد سقوط الخلافة في بغداد ما بويع حتى أثبت نسبه لدى القضاة وحكموا به، وقد كان أسود، والعباسيون مشهورون بالبياض لكن أمه كانت جارية سوداء فأثبت نسبه لدى القضاة فبايعه الناس في مصر، وكان أبا للخلفاء العباسيين بمصر، وكذلك السلالة النبوية فبنو هاشم وبنو المطلب ومواليهم تحرم عليهم الصدقة ويتعلق بذلك بعض الأحكام الفقهية، فلهذا اعتنى الناس بذكر أنسابهم، وبالأخص الطالبيين فقد ألف عدد من الكتب في أنسابهم، وحتى في وفياتهم ومصارعهم، ألف فيها عدد من الكتب، وكذلك أنساب الصحابة عموما وأنساب أمهات المؤمنين، وأنساب الأئمة المشاهير كل ذلك ألف فيه عدد من الكتب، ومن الكتب الجامعة في الأنساب كتاب أبي محمد علي بن حزم الذي سماه الجمهرة، وكذلك كتاب القلقشندي وكتاب السويدي نهاية الأرب في ذكر قبائل العرب.

وقد ألف أحمد البدوي الأموي المجلسي الشنقيطي نظمه الذي سماه عمود النسب، وهو نظم طويل جمع أنساب العرب واعتنى أساسا بأنساب الذين بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم علاقة نسبية، فافتتح أولا بنسب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدنان، ثم بدأ بذرية عدنان بالتفصيل، القبائل التي هي من ذرية عدنان من غير عمود النسب، ثم نزل إلى معد فذكر القبائل من ذرية معد من غير عمود النسب، ويؤخر عمود النسب إلى أن يذكره آخر شيء، وآخر من ذكر بنو هاشم، هم آخر من أدرج من العدنانيين، ثم ذهب إلى القحطانيين، فبدأهم بالأنصار، نظم أنساب الأنصار ثم بدأ بالناس الأقرب فالأقرب من الأنصار، من القحطانيين.

هذا أهم ما يتعلق بالأنساب ونرجع إلى المقدمات الأخرى، في علم التاريخ الإسلامي.

قد ذكرنا حده والبحث في واضعه وكذلك في موضوعه، أما نسبته إلى غيره من العلوم فهي نسبة العموم والخصوص الوجهي لاشتراكه مع علم الرجال في كثير من مباحثه، وكذلك مع غيره من العلوم، فعلم الألغاز الفقهية أكثره يدرسه أهل التاريخ، لأنه يتبع إلى تراجم الرجال، وكذلك كثير من المسائل الفقهية تدرس في علم التراجم عموما، ومنها تراجم علماء المذاهب الفقهية، الكتب التي اعتنت بتراجم علماء المذاهب الفقهية وقد ذكرنا بعضها من قبل فيما أعتقد في علم الرجال...

بالنسبة لعلاقة هذا العلم كما ذكرنا نسبته للعلوم الأخرى ذكرنا أن كثيرا من المسائل تذكر المسائل الفقهية، والألغاز الفقهية وحلولها تذكر في تراجم العلماء، ومن ذلك الكتب المؤلفة في تراجم علماء المذاهب، المذهب الحنفي مثلا كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية، وكتاب الجواهر المضية، وكتاب تاج التراجم، وغيرها من كتب تراجم الحنفية، وفي المذهب المالكي كتاب الديباج لابن فرحون وذيوله، ومنها توشيح الديباج للقرافي، ومنها كذلك نيل الابتهاج بتطريز الديباج لأحمد باب التمبكتي، وكتب التراجم المختصة بالبلدان، مثل فتح الشكور من تراجم علماء التكرور، نعم كتاب المدارك للقاضي عياض، يسمى المدارك ويسمى ترتيب المدارك، ومثل شجرة النور الزكية في تراجم السادة المالكية، لمحمد الحسين مخلوف، أو محمد حسين مخلوف، وكذلك في المذهب الشافعي كتاب طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي، وكتاب طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة، وكتاب طبقات الشافعية أيضا للإسنوي، فيه عدد من المؤلفين الذين ألفوا في طبقات الشافعية، وكذلك في تراجم الأئمة أنفسهم، كذلك في طبقات الحنابلة كتاب لابن رجب، وكتاب ابن مهلة، وكتاب ابن الجوزي.

وحفيد الجوزي وسبطه قد ألف أيضا حتى في التاريخ العام، التراجم المطلقة، فألف كتابه المنتظم، وهو من كتب التاريخ الواسعة، وكذلك من كتب التراجم المهمة النافعة في تتبع الأخبار ويذكر فيها بعض الترجيحات العلمية، كتاب شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي. أما مستمد هذا العلم فهو من القصص التي تحصل بالمشافهة والرواية، ومن الشعر والأخبار المروية، أما فضله فهو بحسب فائدته، ولا شك أنك إذا راجعت الذين اشتهروا بهذا العلم وجدتهم أعلام من أعلام الأمة مما يدلك على فضله، فلم يشتغل به إلا الأعلام المشاهير، وكذلك فائدته فإن من فوائده التمييز بين الصحيح والضعيف، وبين الشريف وغيره، ولذلك فإن الخطيب البغدادي رحمه الله قد اكتشف تزوير اليهود للكتاب الذي زوروه على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أسقط عنهم الجزية، وأخرجوه في أيام أحد خلفاء بني العباس، فلما عرضوه على الخليفة لم يدر ما يصنع فجمع العلماء فنظروا فيه فتحيروا، هو كتاب كتب في جلد بخط قديم كخطوط الصحابة، وكتب أنه بخط علي بن أبي طالب وعليه ختم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه شهادة عدد من الصحابة، حتى عرض الكتاب على الخطيب فبصق عليه وأخبر أنه مزور، فسأله الخليفة من أين أخذتها فقال: كتب فيه أن من شهوده سعد بن معاذ ومعاوية بن أبي سفيان ولم يجتمعا في الإسلام، فإن سعدا جرح يوم الأحزاب ومات بعد حكمه في بني قريظة في العام الخامس من الهجرة، ومعاوية ما أسلم إلا في عام الفتح في العام الثامن من الهجرة، فكيف يشهدان على كتاب واحد، فبهت الذي كفر.

وكذلك فيما يتعلق بتوثيق الرجال والطعن فيهم، ولهذا فإن الحاكم أبا عبد الله النيسابوري أحمد بن البيع حين سمع رجلا يحدث عن هشام بن عمار سأله متى دخل مصر، فأخبره بالسنة التي دخل فيها، فقال: إن هذا الشيخ لقي هشاما وحدثه بعد موته بإحدى عشرة سنة، فيعرف بهذا أهمية التاريخ.

وكذلك فإنه من المسليات التي تذهب الحزن عن الإنسان، فعندما يذكر قصص الماضين وما لقوا من الأذى وما حصل في أيامهم من الفتن يحمد الله على حاله ولا يزدري نعمة الله عليه، وفيها تسلية عما يصيبه هو، وكذلك في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ففيها تثبيت للناس على طريق الحق، وقد روي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: قصص الصالحين جند من جنود الله يثبت الله بها قلوب عباده، ومصداق ذلك من القرآن قول الله تعالى: {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين}.

وكذلك فإنها مما يرفع معنويات الشعوب عندما تتذكر أمجادها وما حصل من تاريخها في الماضي، ولهذا فإن حضارة الفرس كادت تعود بعد هزيمتهم بسبب الشعوبية، حتى في المسلمين، من ذلك آل برمك، وهم من خلفاء بني العباس ومن المقربين إليهم، ومن المسلمين الذين لا يشك في دينهم ولكنهم أصبحوا ذوي ميل إلى بني جنسهم إلى حضارة الفرس، واعتنوا بإحيائها حتى بتجديد بعض الرسوم التي كانت للفرس مثل رسوم مدينة أنطاكية التي كانت على سورها، وقد كان الناس يأتونها من بعيد، كذلك رسوم الأقدمين التي كانت في مدائن كسرى والإيوان، وقد وصف البحتري الرسوم التي كانت على سور أنطاكية فقال:

صنت نفسي عما يدنس نفسي                     وترفعت عن جدا كل جبس

وتماسكت حين زعزعني الدهر                   التماسا منه لتعسي ونكسي

إلى أن يقول:

وإذا ما رأيت صورة أنطا                         كيية ارتعت بين روم وفرس

والمنايا حواضر وأنو شر                        وان يزجي الزحوف تحت الدرفس

يصف المعركة كأنه حضرها وهو مجرد  رأى الرسوم، كانت لوحات تريك صورة حرب الروم مع فارس، حتى إن الذين دعوا بالشعوبيين وكان منهم طبعا من هو من أهل الإلحاد كالزنادقة الذين قتلهم المهدي العباسي قد تغلغلت الشعوبية فيهم فأصبحت ميزة لهم، ومن هؤلاء الشاعر بشار بن برد الأعمى الذي كان يقول:

........ من مبلغ      عني جميع العرب        

من هو حي منهمُ      ومن ثوى في الترب

أبي الذي أسمو به     كسرى وساسان أبي

وقيصر خالي إذا      عددت يوما نسبي

إلى أن يقول:

ولا حَدَا قط أبي      خلف بعير أجرب

يفخر على العرب، وكذلك فإن من فوائد التاريخ الشهادة على الناس، فإن هذه الأمة شهود الله في خلقه كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أنتم شهداء الله في أرضه فمن أثنيتم عليه بخير وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه بشر وجبت له النار، والناس شهود، ولهذا إذا مات الإنسان تجدد عمره بما يحفظ عنه، كما قال ابن دريد رحمه الله:

وإنما المرء حديث بعده             فكن حديثا حسنا لمن وعى

التاريخ يشهد على الناس بما عملوه.

ثم بعد هذا حكمه، وحكم تعلم هذا العلم أنه من فروض الكفايات، إلا في حق المتخصصين في الحديث، ونحوه من العلوم التي تحوج إلى هذا فيتعين في حقه، وكذلك من يتصدى للإفتاء لأنه لا بد أن يعرف الذين يفتي بأقوالهم وآرائهم يعرف تراجمهم حتى يأنس إلى أقوالهم واستقامة حالهم.

أما اسم هذا العلم الجامع له فهو علم التاريخ الإسلامي، ويسمى أيضا بعلم الأنساب، ويسمى بعلم السير.

أما مسائله فهي تنقسم إلى المبادئ وهي أخبار بدايات خلق الكون وأحاديث الأنبياء ثم بعد ذلك قصص الدول السابقة على الإسلام الذين عمروا الأرض أكثر مما عمرها المسلمون، ثم بعد هذا أخبار الجزيرة العربية بالخصوص، من لدن بناء إبراهيم عليه السلام للبيت الحرام وما تداول البيت الحرام من الأمم والشعوب، وكذلك أنساب العرب داخل الجزيرة والحروب التي قامت بينهم، سواء الحروب التي قامت بينهم فيما بينهم وهي التي تسمى بأيام العرب، أو الحروب التي قامت بينهم وبين غيرهم وهذه أشهرها في الجاهلية، حرب اليمن التي قامت بين العرب وبين الأحباش، وهذه الحرب استعان فيها العرب بالفرس، وكان سيف بن ذي يزن قائدها قد استعان بالفرس فأتى بأولاد كسرى الذين اشتهروا بالأبناء، استقروا باليمن وكان لهم ملكها في ما بعد، ولذلك وفد الناس إلى سيف بن ذي يزن يهنؤونه، ومن الوافدين عليه عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم وأمية بن أبي الصلت، وفيه يقول أمية:

اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا             في رأس غمدان دارا منك محلالا

اشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم             وأسبل اليوم في برديك إسبالا

تلك المكارم لا قعبان من لبن       شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

وحرب ذي قار وهي بين بني بكر بن وائل والفرس، ويروى فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: نصر اليوم بنو شيبان على كسرى وبي نصروا، فقد نصر بنو شيبان على كسرى، وإنما نصروا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فرد الله الفرس عن الوصول إلى جزيرة العرب بعد ذلك تمهيدا لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اشتهر تغلب بني بكر بن وائل على كسرى وفراره منهم حتى إن أحد الشعراء يقول: وقد كان بنو تميم من قبل يفخرون بأنهم بقوس حاجب، وقد كان العرب أقحطت بلادهم فاحتاجوا إلى الإرعاء في العراق، فكان حاجب جد الفرزدق سيد بني تميم، فدخل على كسرى يستأذنه في إرعاء العرب في أرضه، فسأله أن يعطيه رهنا فأخرجه له قوسه وهي قوس قديمة بالية، فدخل العرب العراق بسبب تلك القوس، وكان بنو تميم يفخرون بها كما قال الشاعر:

تزهو علينا بقوس حاجبها                 زهو تميم بقوس حاجبها

حاجب القوس كذلك تميم تزهو بقوس حاجبها.

فقال أحد الشعراء:

فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم               عروش الذين استرهنوا قوس حاجب

ولذلك فقد كان لبني شيبان ذكر عظيم في الجاهلية وفي الإسلام بسبب هذا وفيه يقول مروان بن أبي حفصة في مدحه لمعن بن زائدة وهو منهم يقول:

بنو مطر يوم اللقاء كأنهم                  أسود لها في بطن خفان أشبل

همُ يمنعون الجار حتى كأنما        لجارهمُ بين السماكين منزل

بهاليل في الإسلام سادوا ولم يكن          كأولهم في الجاهلية أول

هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا        أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجملوا

وما يستطيع الفاعلون فعالهم               وإن أكثروا في النائبات وأجملوا

ثلاث كأمثال الجبال حباهمُ                وأحلامهم منها لدى الوزن أثقل

تشابه يوماه علينا فأشكلا                  فما نحن ندري أي يوميه أفضل

أيوم نداه الغمر أم يوم بأسه                فما منهما إلا أغر محجل

وقد أعطاه معن بن زائدة مائة ألف فدخل على الخليفة المنصور وكان المنصور موصوفا بالبخل فقال له: يا معن أأعطيت مروان بن أبي حفصة مائة ألف على أن قال:

معن بن زائدة الذي زادت به              شرفا على شرف بنو شيبان

فقال لا، ولكن على قوله:

ما زلت يوم الهاشمية معلنا                       بالسيف دون خليفة الرحمن

فمنعت حوزته وكنت وقاءه                       من وقع كل مهند وسنان

فهو يمن على الخليفة أنه دافع عنه وكان أمامه يقاتل عنه يوم الهاشمية، وهو اليوم الذي تغلب فيه بنو هاشم على بني أمية في حربهم، فعكس القضية.

كذلك ما يتعلق بالإرهاصات التي ظهرت قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم وهذه وإن كانت تدرس في السير إلا أنها تدرس في التاريخ أيضا، ثم ما كان من تاريخ العرب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وهذا الجانب بالخصوص هو الذي تخصصت فيه السير ثم ما بعد ذلك من الدول الإسلامية، سواء كانت دولا عظمى كالخلافة الأموية والخلافة العباسية، أو كانت دولا تابعة لها مثل الدويلات التابعة لبني أمية ولبني العباس في الأمصار.

وكذلك فتوح البلدان وما حصل فيها من العجائب، إذن هذه هي مسائل هذا العلم.

أما طريقة تدريس هذا العلم فإن على مدرسه أولا أن يتجرد حتى لا يميل وراء هواه، فإن كثيرا من الناس يعدم عفة اللسان عندما يتكلم في الآخرين، فيجعل سيفه صارما بتارا في أعراض المسلمين الذين قد ماتوا وقد قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: تلك دماء طهر الله منها سيوفنا فلا نلوث بذكرها ألسنتنا.

وكذلك عليه أن يقارن بين الروايات وأن يرجع إلى المراجع المختلفة حتى يرى القصة على وجهها، وكذلك التركيز على ما ينفع وهو العبر والدروس، وأن لا يهتم بمجرد السرد التاريخي الذي لا فائدة فيه، وكذلك الابتعاد عن التأويلات التي تنكرها العقول وقد أكثر منها المؤرخون، كثير منهم يكثر من المبالغات التي لا تصدق.

ومثل هذا التأني فيما يتعلق بالجرح، عندما يسمع كلام بعض الأقران في بعض، فإن ذلك لا يؤخذ بالتسليم المطلق، وبالأخص إذا كان الطاعن دون المطعون فيه أدنى منه منزلة في العلم والتقوى، وينبغي للذي يدرس هذا العلم أن يكون كذلك دارسا للعلوم الشرعية الأخرى كالأصول والتفسير والحديث، فإن ذلك مما يعينه على الاستفادة من هذا العلم والعناية به، ويمكن أن يقارن الأحداث التي شهدها وعاشها مع الأحداث الماضية ليتبين له تكرار التجارب التاريخية، هذا أهم شيء في هذا العلم.

بالنسبة لمحمد بن جرير الطبري وغيره من الأئمة الذين كتبوا القصص المروية عن هؤلاء المتروكين والضعفاء سبب ذلك أنهم لا يجدون كثيرا من الثقات يتكلمون في هذا الباب وقد ذكرنا من قبل في السيرة أن أهل السنة أخطؤوا في هذا الباب فإنهم انطلقوا من مبدئهم العقدي في عدم التحدث فيما شجر بين الصحابة وأن يعرضوا عنه، فأدى بهم ذلك إلى الإعراض بالكلية عن القصص التاريخية، أما ما يتعلق بطريقة كتابة التاريخ فلا شك أن فيها كثيرا من المؤثرات، منها أولا أن المسلمين لم يكونوا يكتبون العلم في البداية لئلا يختلط ذلك بالوحي، فإن بني إسرائيل عندما كتبوا تواريخهم أدخلوها في كتبهم، فكان ذلك من أسباب النهي عن الكتابة في البداية، لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه.

كذلك ما يتعلق بنفسيات الملوك والقادة، فإن كثيرا منهم لا يمكن أن يرضى بكتابة بعض القبائح التي ارتكبها والأحداث العظيمة التي وقع فيها، وإنما كان الشعراء يسطرون بعض ذلك في الخفية فيستعان بالأشعار على ذلك، والشعر يحوي بعض الأمور التي قد تكون ألغازا تشير على ما وراءها وقد لا يفهم ما وراءها أصلا، لذلك فإن عنبسة وهو أحد مشاهير النحويين في الصدر الأول، وهو من تلامذة عبد الله بن الحضرمي الذي هو من تلامذة أبي الأسود الدؤلي هجاه أحد الشعراء فقال:

لقد كان في عبدان والفيل رادع                   لعنبسة المهدي إلي القوافيا

فدخل هو على سليمان بن عبد الملك فسأله ما الفيل الذي يعيرك الناس به، فقال: ما يعيرني بالفيل، قال: بلى ألم يقل الشاعر: لقد كان في عبدان والفيل رادع لعنبسة المهدي إلي القوافيا، فقال: ما هكذا قال الشاعر، إنما قال:

لقد كان في عبدان واللؤم رادع، فقال: إن أمرا تفر منه إلى اللؤم لعظيم، عرف أن الفيل له قصة لكنها مجهولة لا يدرى ما هي، اختار عنها اللؤم، وكذلك عندما حصل الخلاف بين ثعلب والمبرد يقال إن المبرد هجا نفسه على لسان ثعلب ليثبت نسبه فقال:

سألنا عن ثمالة كل حي                   فقال القائلون ومن ثماله

فقلت محمد بن يزيد منهم                  فقالوا زدتنا بهمُ جهاله

وقال لي المبرد خل قومي                 فقومي معشر فيهم نذاله

كذلك فإن الذين تصدروا لكتابة التاريخ لا يخلون من التعصب لدولة من الدول أو مذهب من المذاهب، فيظهر ذلك جليا في كتبهم، ومن يقرأ كتب السيوطي في التاريخ سيجد التحامل الشديد على بني أمية، لأنه كان من المقربين من الرباط العباسي، فكان يكره الأمويين كراهة شديدة، فيجمع كل ما قيل فيهم حتى لو كان ضعيفا عنده، وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: ثلاث لا أصل لها وذكر منها الإجماع والتاريخ والتفسير، هذه الثلاث، أو الملاحم هي التاريخ نفسه المستقبلي، فقوله ثلاث أي ثلاث مهمات، لا أصل لها أي أن أصولها لا تصح، فقليل منها ما يصح، ولكن ليس معنى ذلك أنها لا وجود لها فالإمام أحمد كتب في التفسير.

لا شك أن العناية بالملوك في الصدر الأول كانت أكبر من العناية بتراجم العلماء للتأثير، لأن التاريخ إنما يقصد به التأثير في الساحة وفي الشعوب، وتأثير الملوك أبلغ، ومع هذا فقد حظي بعض العلماء بما لم يحظ به الملوك من التراجم لكثرة تأثيره، وبالأخص المتبوعون منهم الذين لهم مذاهب.

أما في العصر الحديث فلا جديد في مجال التاريخ، بالنسبة للماضي، وإن كان بعض المعاصرين بدأ يكتب التاريخ الإسلامي الحديث، كانتشار الإسلام عن طريق الدعوة وبعض الغزوات الجهادية للمتأخرين التي ما لها ذكر في الدواوين القديمة، وتراجم المتأخرين كذلك، وقد جاء منهم من يذيل على كتب السابقين، والأستاذ محمود شاكر له مذهب في التاريخ الإسلامي الجديد، محمد قطب كتب كيف نكتب التاريخ، وكذلك من الذين يهتمون بهذا الجانب محمود ابن الشيخ عبد القادر الأرنؤوط، قد ذيل كتاب شذرات الذهب لابن العماد بعد أن حققه، وفي كل بلد من البلدان اشتهر مؤرخون لذلك البلد جمعوا أخبار ذلك البلد بالخصوص، فقد اشتهر بالمغرب عبد الهادي التاجر، واشتهر في موريتانيا المختار بن حامد الذي يسميه الناس ابن خلدون الثاني إذ ألف كتابه الكبير حياة موريتانيا، الشاعر العالم، من أهل العلم لكن الشعر غطى عليه، حياة موريتانيا هذه ثلاثة عشر مجلدا ضخما كبيرا جدا، وبعض المجلدات هي أكثر من عشرة آلاف ورقة، وكذلك في كل بلد بعض المؤرخين لذلك البلد، قد اشتهر في نجد بعض المؤرخين الذين كتبوا فقط عن تاريخ نجد، وعن بعض القبائل التي كانت فيها، وكذلك في الحجاز كثير من الكتب في تاريخ الحجاز، وبالأخص تاريخ الحرمين الشريفين، وكذلك في اليمن، عدد كبير من المؤلفين في هذا الباب.

ومذهب الأستاذ محمود شاكر فيما يتعلق بالتاريخ الإسلامي وكتابته هو مذهب عصري يهتم فقط بتنسيق الأحداث والربط بين التاريخ والجغرافيا كذلك، والكلام على البيئة والبحث الديمغرافي أساسا، وتطبيق ما يتعلق بنظريات السكان ونحو هذا، يربطها بتسلسل الأحداث.

بالنسبة للبحث في الدويلات التي لديها انحرافات عقدية وبالأخص من دول الشيعة، والخوارج، ما تخصصت فيها كتب مختصة، إلا أن بعض المؤرخين اختصوا ببعض الدويلات مثل الدولة العبيدية، وقد كان لها أثر بالغ ومكثت فترة طويلة ونشأت في المهدية في تونس ثم انتقلت إلى مصر وبنت القاهرة وقد عانى منها أهل السنة ضررا كبيرا فقد كان حكامها يذبحون العلماء ويغتالونهم ويفتعلون لهم الأفاعيل، ومثل ذلك بعض الدول الشيعية التي شيعتها معتدلة، ليس فيها ذلك التشيع الذي يؤدي إلى ضرر بأهل السنة، مثل دولة بني حمدان، فهذه الدولة كان أمراؤها لديهم تشيع لكنهم كانوا أهل اعتدال وتوازن وأهل جهاد في سبيل الله وبالأخص سيف الدولة، سيف الدولة كان سببا في رد الصليبيين عن الشام، وعن الدولة الإسلامية كلها، وكذلك رد الروس الذين كانت لهم غارات في أيامه فهو الذي ردها ورد التتار، أخرهم قرونا، ولذلك قال فيه أبو الطيب المتنبي:

وكيف ترجي الروم والروس هدمها               وذا الطعن آساس لها ودعائم

وفعلا روع الغربيين زمانا حتى قال فيه المتنبي:

.................حتى تركتها                    وجفن الذي خلف الفرنجة ساهد

فلم يبق إلا من حماها من الظبا                   لمى شفتيها والثدي النواهد

تبكي عليهن البطاريق في الدجى                  وهن لدينا ملقيات كواسد

فأنت أبو الهيجا ابن حمدان يابنه                  تشابه مولود كريم ووالد

وحمدان حمدون وحمدون حارث                  وحارث لقمان ولقمان راشد

أولئك أنياب الخلافة كلها                         وسائر أملاك البلاد الزوائد

ويقول فيه أيضا في وصف ملك الروم الذي قتل ولده قسطنطين في إحدى المعارك في بلاد تركيا خلدها بقصيدته المشهورة:

لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي                    وللحب ما لم يبق مني وما بقي

وما كنت ممن يدخل العشق قلبه                  ولكن من يبصر جفونك يعشق

وبين الرضا والسخط والقرب والنوى             مجال لدمع المقلة المترقرق

وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه             وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي

وسكرى من الإدلال ريا من الصبا                شفعت إليها من شبابي بريق

وأشنب معسول الثنيات واضح                    سترت فمي عنه فقبل مفرق

وأجياد غزلان كجيدك زرنني                     فلم أتبين عاطلا من مطوق

وما كل من يهوى يعف إذا خلا                   عفافي ويرضى الحب والخيل تلتقي

إلى أن يقول فيها:

نودعهم والبين فينا كأنه                          قنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق

قواض مواض نسج داود عندها                   إذا وقعت فيه كنسج الخدرنق

هواد لأملاك الجيوش كأنها                       تخير أرواح الكماة وتنتقي

تقد إليهم  كل درع وجوشن                وتطوي إليهم كل قاع وسملق

إلى أن يقول:

رأى ملك الروم ارتياحك للندى                   فقام مقام المجتدي المتملق

وكاتب من أرض بعيد مرامها                    قريب على خيل حواليك سبق

وقد سار منها كل سير رسوله                    فما سار إلا فوق هام مفلق

وكنت إذا كاتبته قبل هذه                         كتبت إليها في قذال الدمستق

الدمستق قائد من قادة الروم، قذاله مؤخرة رأسه، وفعلا كان سيف الدولة يفعل، إذا كتب إلى ملكهم كتب إليه في عظامهم، عظام القتلى منهم، كانوا شيعة من قبل، هم من بعض القبائل العربية التي دخلها التشيع في أيام قوة التشيع في العراق، وهم من بني تغلب قد دخلهم التشيع قديما.

من الغالب أن كل الإمارات الإسلامية أو الدول لها تواريخ مكتوبة وبالأخص السلالات غير العربية فمثلا الأتراك اعتنى الناس بكتابة تاريخهم كثيرا وبالأخص في البلاد التي فتحوها، فمثلا هذه البلاد التي فتحوها كانت من قبل تسمى بلاد الروم، الترك كانوا من قبل في تركستان لم يكونوا أهل هذه البلاد، وهذه البلاد التي فتحوها وأصبحت اليوم تسمى تركيا هي في الأصل بلاد الروم، وقد ألف فيها عدد من الكتب مثل كتاب: نفائس المنظوم في تراجم أفاضل الروم، وهو مطبوع، وكذلك عدد من الكتب المختصة في تراجم ملوك بني عثمان، وكذلك السلاجقة وغيرهم من ملوك المشرق عموما، من سلالات الفرس وغيرهم وكذلك حتى من شعوب ما وراء النهر، التواريخ كثيرة التي تعتني بهؤلاء ووصف أمصارهم ومدنهم ونوع من كتب التاريخ ما يهتم فقط بوصف البلدان، مثل كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي، ياقوت ألف كثيرا من المعاجم، منها مثلا معجم الأدباء ومعجم الشعراء ومعجم البلدان، فمعجم البلدان يصف به كل الأمصار الإسلامية التي لها ذكر، حتى البلدان التي هي مجرد قرى أو مجرد مياه أو بوادي يصفها جميعا وصفا جغرافيا ويذكر ما حصل فيها من القصص وما قيل فيها من الأشعار.

بالنسبة لأصول التاريخ، جاء في الحديث بعض الأصول للتاريخ والجغرافيا، ففي الجغرافيا قول النبي صلى الله عليه وسلم زويت لي الأرض على هيئة طائر اليمن رأسه والحجاز جؤجؤه ومصر والعراق جناحاه والشام زمكاه، فهذا الحديث يصف الرقعة الإسلامية، فامتدادها كان إلى الشرق والغرب من جهة الجناحين لأن الجناحين يمتدان ويرجعان، وأما الرأس فلم يتقدم شيء إلى الجنوب حتى الحبشة ما دخلها الفتح، والزمكا كذلك يحصل فيه انتفاش، وتفرق مثل ما حصل في شرق أوروبا وبعض بلاد ما وراء النهر، لكن لم يقع ذلك التوسع العريض، ولهذا قال: فاليمن رأسه والحجاز جؤجؤه أي صدره، ومصر والعراق جناحاه والشام زمكاه.

أما في التاريخ ففي حديث حذيفة في مسند الإمام أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تكون فيكم النبوة ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهج النبوة ما شاء الله لها أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهج النبوة وسكت.

وهذا الحديث فيه أطوار تاريخ هذه الأمة، وبيان أحوالها، فبدأت بالنبوة ثم بالخلافة الراشدة، ثم بعد ذلك بالملك العاض الذي كان في أيام بني أمية وبني العباس والدول الإسلامية، ثم بعد هذا بدأ الملك الجبرية الذي لم يعد ملكا للأمة فقط بل أصبح بمثابة المِل٦amp;#39;ك هذا معنى الجبر على وجه القسرية، وهذا الذين نحن فيه، وسيأتي بعده خلافة على منهج النبوة.

بالنسبة لمعنى كون التاريخ يعيد نفسه أن الله سبحانه وتعالى جعل في هذه الدنيا نواميس، وجعلها تؤدي إلى مسببات مخصوصة، فتتطور الدنيا وتبتعد عن تلك النواميس فيقع التغير، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ثم إذا ذكروا ورجعوا عادت الأمور إلى مجاريها، وأخذ القوس باريها، وتستقيم الأحوال، ثم تعود الدورة مرة أخرى، فيستدير الزمان استدارة جديدة وهكذا، وهذا لا بد أن يقع وهو سنة الحياة كلها.

وليس معناه أن الإعادة ستكون بنفس التفاصيل كما هي، بل المقصود بذلك فيما يتعلق بالاستقامة والاعتدال وما يتعلق بالميل والاضطراب، فهي دورات، دورات في التاريخ هكذا.

كذلك عبارة بعض الناس الذين يقولون: العقائد لا تموت المقصود أن الغالب أن العقائد التي ما كان منها فتنة يبقى عليه من يقول به دائما، فهي فتنة وضعها الله في الأرض فلا بد أن يبقى من يدعو إليها ومن يتأثر بها.

بالنسبة لرحلات العلماء كذلك هي من الكتب التي تعطي صورة عن البلدان والشعوب والتواريخ وحتى عن بعض العادات والأخلاقيات التي يجهلها كثير من المؤرخين، وأيضا أصحاب الرحلات يصفون مشاهداتهم والأمور التي رأوها، لكن الذين كتبوا رحلاتهم من الثقات قلائل، وقد اشتهرت بعض الرحلات بما دار فيها من الأحداث العظيمة، مثل رحلة أبي بكر بن العربي إلى المشرق، ومثل رحلة الباجي، وكذلك رحلات أخرى اشتهرت بالمسح الجغرافي مثل رحلة ابن جبير، وأخرى تكلمت عن الشعوب وعاداتها مثل رحلة ابن بطوطة، وإن كان فيها بعض المجازفات، وأخرى اشتهرت فقط بالعناية بأهل العلم وحياتهم مثل رحلة ابن رشيد القيرواني، وهذه الرحلة اشتهرت باسم ملء العيبة بما جمع في طول الغيبة، ونفس الشيء ما كتبه لسان الدين بن الخطيب في رحلته التي سماها نفاضة الجراب فيما جمع في طول الاغتراب، ومثل رحلات بعض علمائنا الشناقطة، مثل رحلة الشيخ محمد يحيى الولاتي وهي مطبوعة، طبعتها دار الغرب الإسلامي، ومثل رحلة الشيخ محمد بن الأمين، ومثل رحلة ابن اطوير الجنة، عدد من الرحلات بهذا الاسم، ورحلة الفضيل الواقلاني تضمنت كذلك وصفا دقيقا لكثير من المشاهد التي شاهدها.

وكذلك رحلة الإبراهيمي بشير الإبراهيمي وهو أحد مؤسسي جمعية العلماء في الجزائر حين ذهب إلى المشرق.

بالنسبة لعمل المستشرقين وأذيالهم في تحريف التاريخ كثير جدا، وبالأخص أنهم وجدوا الأرضية صالحة لهذا، فكثير من المسلمين يجهلون تاريخهم، وبالأخص الفتوحات في الأطراف، فجاء هؤلاء المستشرقون فاستغلوا الفرصة وفسروا الفتوحات الإسلامية والجهاد بتفسيرات مادية، وبحثوا لها عن أسباب ما أنزل الله بها من سلطان وما لها أي مصداقية في الواقع.

وكذلك كثير من المسلسلات والأفلام التي أنتجت تعالج قضايا تاريخية كلها أكاذيب وأقاصيص غير صحيحة، وحتى تفسيرها للأحداث التاريخية الصحيحة كان تفسيرا كاذبا مزيفا.

سؤال في الأنساب عن قول الفقهاء: الناس مؤتمنون على أنسابهم أو مصدقون في أنسابهم، عن ما مدى اعتبار هذه القاعدة في الفقه ؟

الجواب أن هذه القاعدة صحيحة من الناحية الفقهية، فالنسب يحاز بما يحاز به الملك، والأملاك اختلف في حوزها، فقيل عشر سنين، وقيل خمس عشرة سنة وقيل: ثلاثين سنة، فمذهب الحنفية ثلاثون سنة، ومذهب الشافعية والحنابلة خمس عشرة سنة، ومذهب المالكية عشر سنوات، إذا حاز فيها غير شريك وهو الأجنبي وتصرف والمالك حاضر ساكت بلا عذر لم تقبل دعواه ولا بينته بعد ذلك.

كذلك الأنساب إذا جاء شخص فزعم أنه ابن فلان ولم ينكر ذلك أحد، ولم يأت ما يخالفه، وعرف ذلك أزمانا متطاولة ولم ينكره أحد ثبت له النسب بذلك فيرثه وهكذا، فليس المقصود بالنسب المشكوك فيه أن يأتي فلان من الناس يلصق نفسه في نسب معين ادعاء الناس لا يصدقونه فيه فهذا ليس هو المقصود، المقصود ما سكت عنه الناس وسلموا به فهذا الذي يحاز كما تحاز الأملاك كلها، من حاز أرضا أصلا لا يقال له من أين لك هذا.

 


عدد مرات القراءة : 5309



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              15014647
المتواجدون الأن       13
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو