نعم فقد كان الناس يأتون المدينة و هم مسافرون فيصلون وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهدون معه الصلوات و كان صلى الله عليه وسلم في ذالك يعلم الصلاة و يبين لهم الهدي كمالك ابن الجويرث و أصحابه و كعدد كثير من المسافرين الذين يأتون فيمرون بالمدينة فيصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم و يقتدون به و هذه المسألة و هي اقتداء المسافر بالمقيم و القيم بالمسافر الكراهة التي يذكرها الفقهاء في المسألتين معا لا دليل عليها فإن اقتداء المقيم بالمسافر ثابت في السنة فقد أخرج ابن القاسم في المدونة و عبد الله بن أحمد في زيادات المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة فيقول يأهل البلد قوموا و أتموا ركعتين فإننا قوم سفر فيصلى هو ركعتين لأنه لا يحل له الإتمام بمكة لأنه هاجر فباعها لله فيصلى بها ركعتين و يقول يأهل البلد قوموا فأتموا ركعتين فإننا قوم سفر و هذا الحديث صريح في اقتداء المقيم بالمسافر و كان أبو بكر بعده يفعل و عمر كذالك و عثمان و علي فكل الخلفاء الراشدين كانوا إذا حجوا أو اعتمروا يصلون بالناس أئمة و يقتدي بهم المقيمون و هم على قصرهم إلا أن عثمان رضي الله عنه أتم بمكة فسئل عن ذالك فقال تزوجت بها و قد سمعت أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:«من تأهل ببلدة فهو منهم» و قد خالفه عدد من الصحابة و وافقته عائشة و ابن مسعود فرأوا أن المهاجر إذا تزوج بمكة فقد أصبح من أهلها من جديد و هذا رأي لهم و قد خالفهم فيه جمهور الصحابة فجمهور الصحابة يرون أن المهاجرين لا يحل لهم الإقامة بمكة و قد أخرج البخاري في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثا» و في رواية «لا يقيمن مهاجر بعد قضاء يسكه بمكة أكثر من ثلاث» فالمهاجرون باعوا مكة لله فلذالك في حديث سعد ابن أبي وقاص في الصحيحن أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه يعوده و هو بمكة فلما أتاه و رأي شدة المرض الذي به قال: «اللهم امض لأصحابي هجرتهم فدعا الله» فدعا الله له أن الله له هجرته و أن لا يموت بمكة قال ولكن البائس سعد ابن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة فسعد ابن خولة من المهاجرين و قد جاء لمكة فمرض فمات بها فقال النبي صلى عليه وسلم: و لكن البائس أي المسكين سعد ابن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يتألم له و يتوجع له أن مات بمكة و لذالك كانوا يوصون إذا ماتوا بمكة أن تنقل أي ينقلوا منها و يدفنون خارجها كما فعل عمر و أسماء بنت أبي بكر و عدد من المهاجرين الذين ماتوا بمكة نقوا إلى خارجها فدفنوا خارجها و قد وصلى إليهم البنيان اليوم فمقبرة المهاجرين هي الآن بالزاهر و تشتهر بين الناس بمقبرة الشهداء و هي مقبرة المهاجرين فيها عبد الله بن عمر و عبد الله بن الزبير و أسماء بنت أبي بكر و عدد من المهاجرين معهم.