ما هو السبيل إلى توحيد المسلمين في الوقت الذي تكالبت عليهم الأعداء فيه و تفرقوا فرقا كثيرة كل فرقة تلعن الأخرى و أصبح المسلمون مشتغلين فيما بينهم فما علاج ذالك و كيف تتفادى الفرقة؟
أن المسلمين لن يصلحهم إلا ربهم و منهجه الذي شرع لهم و هذا الدين الذي جعلهم إخوة و أمرهم بالتآخي و نبذ كل ما يؤدي إلى الخلاف و جمع الكلمة و أمر كل فرد منهم باللين في يد أخيه و أمرهم بالتراحم فيما بينهم و وصفهم بذالك فقد قال الله تعالى: ﴿محمد رسول الله و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ و قال تعالى: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ و قال تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم و لو كنت فظا غليظ القلب لأنفضوا من حولك فاعف عنهم و استغفر لهم و شاورهم في الأمر﴾ و قال تعالى ﴿و قولوا للناس حسنا﴾ كل ذالك يقتضي منهم التراحم و التفاهم فيما بينهم و أن لا يحتكر أحد منهم الحق لنفسه و أن لا يدعي أن اجتهاده الوحيد المصيب فالإجتهادات ليست وحيا منزلا من عند الله بل هي تخطئ و تصيب الذي لا يخطئ هو الوحي وحده أما اجتهادات الناس فقد قال مالك رحمه الله ما منا أحد إلا وهو راد و مردود عليه إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم. و إذا انطلقنا من هذا المبدء حصل التكامل في الإجتهادات ألا ترون أن المذاهب الفقهية متعددة في المجتمع لكنها لم تكن يوما من الأيام داعيا للحروب و لا للخلافات و لا للتعصبات حين كان الناس يفهمونها في إطارها الصحيح أن المذاهب هي مجرد طرق للتعامل مع النصوص الشرعية و هي مجرد مدارس لفهم النصوص فلذالك ليس بين المذاهب تصادم و لا تناحر و إنما بينها نقاش أيها أقرب للدليل و أيها أصح مأخذا و أيها أقوى فيقع بينها ما يسمى بالجدل الفقهي و حينئذ يكون هذا عامل إثراء في الأمة و لا يكون عامل تناحر و هذا المطلوب أما بعد أن تراجع العلم في الأمة فقد أصبح التعصب يطبع الأمة و أصبح اتباع المذاهب بمثابة اتباع الفرق يتعصوب للآراء التي لا يعرفون أدلتها و حينئذ خرجت المذاهب عن إطارها الصحيح و مع ذالك فخروجها عن إطارها الصحيح لا ينبغي أن يكون ذريعة لنا لتركها بالكلية أو لحربها فما هي إلا مدارس لفهم النصوص صدرت عن أئمة مشهود لهم بالعلم و العدالة و أجمعت الأمة على سلامة معتقدهم و منهجهم و صحة إجتهادهم فلذالك نحن لا نقول إن آراءهم و اجتهاداتهم معصومة لكن نقول إنها مأخوذة من الكتاب و السنة من الأدلة فما كان منها راجحا وجب الأخذ به لأن العمل بالراجح واجب لا راجح و ما كان منها مرجوحا يترك العمل به لكن مع ذالك لا تعتبر أنه باطل قطعا لأنكليس لديك وحي قاطع بأن هذا الرأي هو الصحيح و أن هذا هو الباطل بل أنت ما ترجح لديك وجب عليك العمل به لكن مع ذالك لا تحتكر الحق على غيرك كما قال الشافعي: رأيي صواب يحتمل الخطأ و رأي غيري خطأ يحتمل الصواب.