» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
الدرس الثاني من دورة الفرائض العلمية
الكاتب : الشيخ محمد الحسن ولد الدددو



ها هو الدرس الثالث من سلسلة دروس دورة الفرائض العلمية اللتي ألقاها  و درسها الشيخ محمد الحسن ولد الددو فى مركز تكوين العلماء

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

وصلنا بالأمس إلى قول المؤلف رحمه الله:

ونسأل الله لنا الإعانه              فيما توخينا من الإبانه

عن مذهب الإمام زيد الفرضي     إذ كان ذاك من أهم الغرض

من السنة في كل عمل مهم يقصد به وجه الله تعالى أن يستأنف في الدعاء، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستأنف حجه وعمرته وأسفاره وجهاده بالدعاء، ولذلك جاء بالدعاء ثالثا بعد حمد الله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، فسأل الله سبحانه وتعالى فقال: (ونسأل الله) وكان مقتضى السياق أن يقول: وأسأل الله لأنه مفرد، ولكنه يدعو باسمكم جميعا فأنتم مشاركون له في دعائه، ويريد إدخال غيره حتى لا يرد الدعاء، فالإنسان يرجو ويخاف، فيرجو لكرم الله جل جلاله ويخاف لتقصيره هو في جنب الله، فيرجو استجابة الدعاء، لكرم الله جل جلاله، ويخاف رده لتقصيره هو ونقصه، لكن إذا كان معه غيره، وبالأخص إذا كانوا عددا غير محصور فإن ذلك مظنة للإجابة، لأن يكون فيهم المجابون، وهذا السياق تبع فيه سياق الفاتحة ففيه: {إياك نعبد وإياك نستعين} إياك نعبد، فالفعل هنا مسند لضمير جميع العابدين بمن فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنبياء الله وملائكته الكرام، وكل العابدين في السماوات وفي الأرض، وإياك نستعين كذلك يشمل جميع المستعينين الداعين في السماوات وفي الأرض. فلهذا قال: ونسأل الله، عطفا على ما مضى نسأل الله أي نطلب منه الإعانة، (لنا الإعانه) معناه أن يعطينا الإعانة فيما توخينا من الإبانة، معناه على ما توخينا من الإبانة أي الإظهار.

(عن مذهب الإمام زيد الفرضي) معناه أن يعيننا على إظهار ما توخينا معناه ما قصدنا إظهاره من مذهب زيد بن ثابت رضي الله عنه.

والإعانة معناها أن يخلق الله قدرة واستطاعة للإنسان وأن يوجهها إلى فعل المأذون فيه، فيكون ذلك إنفاذا له، فالإنسان لا يستطيع أن يفعل الفعل إلا بمشيئة الله ثم بعد ذلك بعونه، لأن الله قال: {لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين} فلا يمكن أن ننجز عملا إلا بعون الله جل جلاله، ولهذا يقول الحكيم:

إذا كان عون الله للمرء صاحبا            تهيا له من كل صعب مراده

وإن لم يكن عون من الله للفتى            فأول ما يجني عليه اجتهاده

(فيما توخينا) معناه قصدنا، وتوخى بمعنى قصد، يقال: توخى فلان جهة المشرق أي قصد جهة المشرق، ومن ذلك قول الشاعر:

فلما رأى أن النطاف تعذرت       رأى أن ذا الجنبين لا يتعذر

توخى بها مسرى سهيل ودونه     من الشام أجبال تطول وتقصر

توخى بها معناه قصد مسرى سهيل الكوكب الذي يطلع من الجنوب دائما، ومسراه اتجاه الغرب، توخى بها مسرى سهيل ودونه من الشام أجبال تطول وتقصر.

(من الإبانه) الإبانة هي الإظهار وهي مصدر أبان الشيء يبينه وهذا الفعل يستعمل لازما ويستعمل متعديا، فيقال: أبان الشيء بمعنى ظهر، ويقال: أبانه فلان أي أظهره.

(عن مذهب الإمام زيد الفرضي) عن هنا نائبة عن اللام وحروف الجر يقع التبادل بينها، فالمقصود من الإبانة لمذهب زيد، ومذهبه معناه جهة ذهابه، فالمذهب تطلق على الزمان والمكان، وتطلق على المصدر، فهي مفعل من ذهب يذهب، وأنتم تعرفون أن قواعد المفعل أربع، من يتذكرها من طلاب المركز؟

قواعد المفعل أربعة.

من ذي الثلاثة لا يفعل له ائت بمف  عل لمصدر او ما فيه قد عملا

من زمان أو مكان معناه أن الفعل الثلاثي الذي مضارعه غير مكسور وهو غير واوي الفاء ولا معتل اللام، فالمصدر والزمان والمكان منه بالفتح، هذه القاعدة الأولى.

القاعدة الثانية: كذاك معتل اللام مطلقا

معناه أن معتل اللام مطلقا سواء كان مضارعه بالفتح أو بالكسر فإن المفعل منه للمصدر والزمان والمكان بالفتح أيضا.

القاعدة الثالثة: وإذا الفا كان واوا فكسر مطلقا حصلا

معناه إذا كان الفعل واوي الفاء مطلقا فإن المفعل منه بالكسر للمصدر والزمان والمكان.

والقاعدة الرابعة: في غير ذا عينه افتح مصدرا وسواه اكسر

معناه أن ما سوى هذه القواعد الثلاثة يفتح المصدر منه فيقال فيه المفعل، ويكسر منه الزمان والمكان فيقال فيه المفعل.

فالمذهب بالفتح للمصدر والزمان والمكان، وعلى هذا يحمل قول الشاعر:

ذهبت من الهجران في غير مذهب        ولم يك حقا كل هذا التجنب

ذهبت من الهجران في غير مذهب إما أن يكون المعنى في غير ذهاب، أو في غير مكان ذهاب أو في غير وقت ذهاب، فيكون مصدرا أو زمانا أو مكانا.

والمذهب في الاصطلاح هو طريقة في التعامل مع النصوص، طريقة للتعامل مع النصوص، فالنصوص الشرعية هي الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم كتابا وسنة، وهذا الوحي متضمن لما يريده الله من عباده، من الأقوال والأفعال والنيات والاعتقادات والأخلاق.

ولكن ذلك قد يكون واضحا جليا وقد يكون خفيا فيتفاوت الناس في فهمه.

والنوازل والوقائع تتجدد دائما، والنصوص محصورة لا يمكن أن ينزل منها شيء بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبموت النبي صلى الله عليه وسلم انقطع الوحي من السماء، فلا يمكن أن يزداد القرآن ولا أن تزداد السنة.

والنوازل والوقائع متجددة كل يوم يعرض منها جديد، فنحتاج إلى بيان حكمه، وقد أحالنا الله في ذلك إلى استنباط أولي الأمر وهم العلماء العاملون الذين نور الله بصائرهم بنور الوحي، وألهمهم رشدهم فاهتدوا إلى مراد الله جل جلاله من كلامه ففهموا منه ما لم يفهمه سواهم، ولذلك قال الله تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} فأولئك هم العلماء العاملون الذين رسخت أقدامهم في العلم والتقوى، فنور الله بصائرهم وألهمهم رشدهم، ولا يمكن أن يفهم أحد عن الله ولا عن رسوله إلا من فهمه الله جل جلاله، وقد أخبر الله بخصوص ذلك بأولي العلم، فقال: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}، فهم الذين يفهمون عن الله جل جلاله.

وأولئك لهم طرق في فهم النصوص والتعامل معها، ولم يكن ذلك في الصدر الأول، ففي العهد النبوي لا نحتاج إلى مذهب لأن الدين مأخوذ من الوحي ما دام النبي صلى الله عليه وسلم حيا إما من قوله وإما من فعله وإما من إقراره لغيره، لكن لما توفى الله رسوله صلى الله عليه وسلم لم تشتد حاجة الصحابة أيضا إلى البحث فيما خفي لأن حياتهم لم تتغير عما تركهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهد الخلفاء الراشدين المهديين، وحصلت تغيرات في أشياء قليلة اجتهدوا فيها لكن لا يمكن أن تغطي مساحة كبيرة فلا يمكن أن تكون لهم مذاهب.

لكن لما جاء التابعون بدؤوا بالتفكير والتقعيد، ومع ذلك لم تظهر لهم مذاهب، وإن كان أبو حنيفة معدودا في نطاق التابعين لأنه رأى أنس بن مالك رضي الله عنه يصلي فرآه يشير في التشهد بإصبعه.

وهذا يدل على انه تابعي لأنه روى عن صحابي، التابعي ليس شرطه كشرط الصحابي، فالصحابي شرطه مجرد رؤية النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ولو لم يرو عنه شيئا، لكن التابعي من شرطه أن يروي عن الصحابي، فإذا عاش معه زمانا طويلا ولم يرو عنه شيئا لا يعتبر من التابعين، فلا بد للمسلم في شرط التابعية أن يكون روى عن الصحابي ولو روى عنه فعلا واحدا أو قولا واحدا، فأبو حنيفة معدود في التابعين، لكن إنما كان إنتاج مذهبه فيما بعد.

وبعد ذلك في أيام أتباع التابعين ظهرت المذاهب فاجتهد المجتهدون واستعملوا النصوص وعرفوا دلالاتها، فوجدوا أن اللفظ يدل على المعنى من أربعة أوجه بمنطوقه وبمفهومه وباقتضائه وبمعقوله، فغطوا مساحات كبيرة من النوازل التي تتجدد من خلال النصوص المحصورة، لم يبتدعوا ولم يأتوا بشيء من عند أنفسهم، وما أتوا بجديد من ناحية الدليل، لكن أتوا بجديد من ناحية الاستدلال، وفرق بين الدليل ودلالته، فهم استنبطوا دلالات للدليل، ولكن لم يزيدوا الأدلة، فالأدلة محصورة وهي جاءت من عند الله جل جلاله، لكن دلالتها هي التي ترجع إلى فهم الناس وعقولهم، وزيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه من الصحابة، بل من كبارهم، فليس له مذهب مخصوص، ولكن بما أنه تخصص في الفرائض وزكاه النبي صلى الله عليه وسلم في علمها وقد خالفه بعض الصحابة في مسائل قليلة منها: ذكر هو أن ما يذكره من الفرائض هو على مذهب زيد، وهذا من قبيل ما كان بعض الأئمة يستأنس به، فقد كان مالك يقول: لا أعدل عن مذهب عمر وابنه عبد الله بن عمر، ويقصد بذلك أقضية عمر في زمان إمارته وكذلك فتاوي عبد الله بن عمر، فقد عاش حتى لم يبق على وجه الأرض أفضل منه، بعد أن مات العشرة المبشرون ومات كثير من كبار الصحابة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عاش حتى لم يبق على وجه الأرض أفضل منه، ولذلك لم يعدل مالك عن مذهبه وكان يتبعه، فما رواه عن نافع عن ابن عمر لا يعدل عنه.

فكذلك في الفرائض قال الشافعي: لا أعدل بمذهب زيد فإن النبي صلى الله عليه وسلم زكاه في الفرائض، وقد سبق أن المؤلف من أتباع مذهب الشافعي، فلذلك قال: (عن مذهب الإمام زيد) ولم ينسبه وهو ابن ثابت الأنصاري رضي الله عنه.

(الفرضي) معناه المنسوب إلى الفرائض أو إلى الفريضة، فالنسبة تكون إلى المفرد لا إلى الجمع، ومن النادر أن ينسب إلى الجمع، وإذا لم تسمع فإنها تكون لحنا، فيقال: صحفي ولا يقال: صُحفي، ويقال: دَولي ولا يقال: دُولي، لأن النسبة إنما تكون إلى المفرد لا تكون إلى الجمع.

وزيد الفرضي وفعلي نسبة إلى فعيلة، كما تعرفون:

وفعلي في فعيلة عرف      وفعلي في فعيلة ألف

فهو فرضي منسوب إلى الفريضة أي علم الفرائض لأن النبي صلى الله عليه وسلم زكاه فيه.

إذ كان ذاك من أهم الغرض، معناه حين كان ذاك، فإذ ظرف زمان يشمل الماضي والمستقبل، إذ كان ذاك معناه حين كان ذلك أي الإبانة عن مذهب زيد من أهم الغرض أي من أهم ما يقصده الإنسان ويكون هدفا له، والغرض هو الهدف، فأصله ما يرمى، فإذا وضعت شيئا وسددت الرمي إليه فالمرمي هو الذي يسمى هدفا وغرضا لأنه مقصود، فكان كل مقصود يسمى هدفا ويسمى غرضا، وأل التي في الغرض جنسية، أي من أهم الأغراض، والأهم معناه ما يصيب فاقده بالهم، فالهم هو الحزن الشديد ويحصل بوجود شيء وبفقد شيء، بوجود شيء كنزول المصائب، وبفقد شيء كالضروريات والأمور المهمة التي إذا فقدها الإنسان أهمته أي أصابته بالهم، وهذا معنى المهم، فالمهم معناه ما إذا فقده الإنسان أصيب بالهم لفقده.

إذ كان ذاك من أهم الغرض

علما بأن العلم خير ما سعي        فيه وأولى ما له العبد دعي

(علما) هذا مصدر منصوب ويمكن أن يعرب بأربع إعرابات، ككل مصدر منصوب في مثل هذا المكان، إما أن يكون مفعولا مطلقا، وإما أن يكون مفعولا لأجله، وإما أن يكون حالا، وإما أن يكون ما ناب عن المطلق.

فيكون المعنى لعلمنا علما، هذا إذا كان مصدرا فيكون نائبا عن فعله المحذوف، تقديرها علمنا علما، وإذا كان بمعنى المفعول لأجله يكون المعنى لعلمنا ذلك، فيكون بمعنى لأجل، وإذا كان حالا معناه حال كون علمنا لأن العلم خير ما سعي إليه.

فالعلم خير ما سعي إليه، معناه ما مشي إليه وما قصد، فالسعي يطلق على الإسراع في المشي ويطلق على المشي فقط، فمن إطلاقه على المشي فقط قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله}، قال مالك في الموطأ، فاسعوا فامضوا، معناه أن هذا من المتفق عليه بين أهل التفسير جميعا أنه لا يقصد الإسراع في المشي، ولا يقصد اسعوا بمعنى أسرعوا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا، وفي رواية: وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا.

إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون أي تسرعون إسراعا، فذلك مناف للأدب، والسائر إلى الصلاة في صلاة حتى يأتيها، كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يشبك أصابعه في طريقه إلى المسجد، فنهاه عن ذلك وبين له أن الساعي إلى الصلاة في صلاة حتى يشهدها.

فإذن السعي بمعنى الإسراع هو الموجود في هذا الحديث، فلا تأتوها وأنتم تسعون، والسعي بمعنى المشي دون إسراع هو الموجود في الآية: {فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع}.

والسعي يطلق على العمل مطلقا: {أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى}  وأن ليس للإنسان إلا ما سعى معناه ما عمل، فلذلك قال: علما بأن العلم معناه تعليما وتعلما، والعلم يطلق على صفة النفس وعلى صفة الفعل، فيطلق على صفة النفس فيقال: فلان عالم وهو من استوت عنده العلوم إلى مرتبة يعلمها أو صالحا لأن يعلمها، وكذلك يطلق على صفة الفعل فالتعلم والتعليم كلاهما علم.

(بأن العلم خير ما سعي فيه) معناه هو خير ما مشي إليه أو خير ما عمل فيه، أي كان وظيفة للإنسان، وأولى ما له العبد دعي، هو أولى ما دعي إليه العبد لأن العبد في هذه الحياة مكلف وله خطة عمل، وهي أربع مراحل، المرحلة الأولى تعلم ما أمر الله به، والمرحلة الثانية العمل بما تعلمه، والمرحلة الثالثة الدعوة إلى ما تعلمه وعمل به، والمرحلة الرابعة الصبر على طريق الحق حتى يلقى الله.

وهذه الخطة بينها الله في سورة العصر التي قال فيها الشافعي: لو لم ينزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سورة العصر لكفت حجة على الناس، فقد قال الله تعالى: {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا} والإيمان لا يمكن أن يكون إلا بعلم، فإذن هذا العلم، وعملوا الصالحات هذا العمل، وتواصوا بالحق هذه الدعوة وتواصوا بالصبر هذا الصبر، وهي أيضا وصية لقمان لابنه كما قال الله تعالى: وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم هذا تعليم، ثم قال: يا بني أقم الصلاة، هذا العمل، ثم قال: وائمر بالمعروف وانه عن المنكر وهذه الدعوة، ثم قال: واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور، وهذا الصبر على طريق الحق.

فلذلك كان العلم أولى من العمل وهو سابق عليه، فقد عقد البخاري في الصحيح بابا لذلك فقال: باب العلم قبل القول والعمل لقول الله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك} فبدأ بالعلم قبل العمل، والعلم داخل في نطاق العمل، لأنه إما عمل قلب، كالتفكر، وإما عمل لسان كالحفظ، وإما عمل أذن وقلب معا كالاستماع للدرس، فكل ذلك من أعمال ابن آدم التي تكون في كفة حسناته أو في كفة سيئاته بحسب نيته، ولذلك سماه الله جهادا فقال: وجاهدهم به جهادا كبيرا، أي بالقرآن ولا يكون ذلك إلا بتعليمه والدعوة إليه وإقامة الحجة به، وقد أخرج مالك في الموطأ: من خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا علم يعلمه أو يتعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله رجع غانما، كان كالمجاهد في سبيل الله رجع غانما، فهذا يقتضي أن العلم بمجرد تعليمه أو تعلمه أو إرادة ذلك ولو لم يعلم أحدا ولو لم يتعلم من خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا علم يعلمه أو يتعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله رجع غانما.

وهو داخل في أصل العمل، فقد جاء: من عد كلامه من عمله قل كلامه فيما لا يعنيه، من عد كلامه من عمله قل كلامه فيما لا يعنيه، فالكلام هو داخل في نطاق العمل، فكذلك العلم داخل في نطاق العمل ولكن هذا من التخصيص فقد يطلق الاسم العام على جزئه تشريفا له كما يطلق الخاص أيضا على العام فيقال: رقبة تحرير رقبة مؤمنة، لا يقصد بها الرقبة التي هي العضو، بل المقصود بها الإنسان بكامله، والعكس كذلك فقد يطلق العام ويراد به الخاص، مثل ما ذكر، فلذلك قال:

(وأولى ما له العبد دعي) ما دعي له العبد أي ما أرشد إليه فيقال: دعاه يدعوه إلى كذا أي أرشده إليه، وأصل الدعاء رفع الصوت فيقال: دعا الله سبحانه وتعالى أي جأر إليه ورفع صوته ولهج بالمسألة، ويطلق الدعاء على ما يفهم ذلك كالإشارة والكتابة، فكل ذلك دعاء.

وأن هذا العلم مخصوص بما       قد شاع فيه عند كل العلما

بأنه أول علم يفقد                 في الأرض حتى لا يكاد يوجد

معناه وعلما أن هذا العلم الذي هو علم الفرائض (مخصوص بما قد شاع فيه عند كل العلما) أي بما عرف ونقل عند كل العلما يقصد من وصل إليهم هذا الحديث الذي ذكرناه وهو: تعلموا الفرائض وعلموها، فالحديث من علمه عرف أنه ينسى كما بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، والحديث يدل على فقده ورفعه قبل غيره من العلوم، لأنه قال: تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها نصف العلم وهو ينسى، وذلك يدل على أنها تمحى قبل غيرها، وسنة الله سبحانه وتعالى في الخلق وفي إزالته التدرج، فهو يأتي الأرض من أطرافها بالنقص، والإنسان كذلك يرجع بالانتكاس، فإذا بدأ الكبر يتراجع طوله وتتراجع ضخامته، والإنسان الذي كان ضخما مع الزمان يتراجع، وهكذا في الأشجار والمخلوقات كلها فسنة الله فيها التدرج، وكان حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه، فكل علم اشتغل به الناس لمدة فسيأتيه هذا الأمر الموعود به، وهذا الأمر الموعود به يشمل ما كان داخلا في إطار الثقافة، وما كان داخلا في إطار المدنية، وهما قسما الحضارة، فالحضارة تنقسم إلى قسمين إلى ثقافة وهي المدركات العقلية، وإلى ماديات وهي التي تسمى بالمدنية، أي المدركات الحسية، فالمباني والطرق هي من المدنية لا من الثقافة، والمؤلفات والعادات والأشعار والآداب هي من الثقافة لا من المدنية، والجميع تشمله الحضارة، فالحضارة شاملة للنوعين، وكلاهما موعود بهذا الفناء، أما المدنية فقد قال الله تعالى: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} وأما الثقافة فيدخل ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: كان حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه، فلهذا قال: وأن هذا العلم مخصوص بما قد شاع فيه عند كل العلما بأنه أول علم يفقد في الأرض، وفقده هو نسيانه المذكور في الحديث، حتى لا يكاد يوجد، أي حتى لا يوجد من يقوم به، وقد ورد ذلك في حديث فيه انقطاع أنه يختلف اثنان في مسألة فلا يجدان علمها عند أحد أي من علم الفرائض.

( وأن زيدا خص لا محاله) معناه وعلما أن زيد بن ثابت خص (لا محاله بما حباه خاتم الرساله من قوله في فضله منبها أفرضكم زيد وناهيك بها) أي أن زيدا نال شهادة عالية في علم الفرائض من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال: خص لا محاله، أي خصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الشهادة من بين أصحابه، لا محالة، أي لا يستطيع أحد أن ينفي ذلك، فالمحالة في الأصل هي فقرة الظهر، ففقرات الظهر هي المحال جمع محالة، وذلك أنها تعترض إذا كانت السكين تحز في اللحم تعترضها المحالة فلا تقطعها، فكان الشيء المنتهي قريبا يسمى، مما تعرض له المحالة، فإذا قيل لا محالة معناه أن الشيء مستمر لا يعرض له ما يمنعه كالسكين إذا حزت في لحم لا يعترضها عظم فهذه لا تجد محالة في قطعها، فلذلك قال: لا محالة.

(بما حباه خاتم الرساله) بما حباه أي بالشهادة التي حباه بها أي أعطاه إياها والحباء هو العطاء، ويطلق على الصداق، ويطلق على عطايا الملوك، فهو ما ليس له مقابل، بما حباه خاتم الرسالة، أي خاتم رسالة الله إلى أهل الأرض هو محمد صلى الله عليه وسلم، والرسالة جنس فليس المقصود بها رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، بل المقصود كل الرسائل إلى أهل الأرض، فقد ختمت برسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

يقال الخاتِم والخاتَم بمعنى المنهي، ومنه الخاتم الذي يوضع على الإصبع فحدوده حدود الإصبع، على قدره، ولذلك جاءت القراءتان بهذا، وخاتم النبيين أو خاتم النبيئين.

من قوله، من بيانية معناه تبيين ما حباه به رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو؟ هو قوله فيه أي في فضله (في فضله) أي في فضل زيد منبها للأمة على ما لديه من الفضل ليأخذوه وليعتنوا به، أفرضكم زيد، وهذا لفظ الحديث الذي أخرجه الترمذي وأحمد والحاكم وقد سبق ذكره، أفرضكم زيد وناهيك بها، وأفرضكم أفعل تفضيل معناه أن غيره من الحاضرين يشاركونه في ذلك لأن أفعل التفضيل لا يمكن أن تطلق بين غير المشتركين، كما قال المختار بن بونه رحمه الله:

لا بد أن يشارك المفضولا         في فضله الفاضل ع المقولا

معناه لا يمكن أن تصاغ أفعل تفضيل مما ليس فيه اشتراك، فلا يقال: فلان أطول من فلان، والمطول قصير جدا، لا بد أن يشتركا في الطول حتى يقال: فلان أطول من فلان، فكذلك قوله: أفرضكم زيد معناه أنهم -على الأقل يكون الخطاب للحاضرين أو المقصودين منهم- يعرفون علم الفرائض، ولكن زيدا زائد عليهم في معرفة ذلك.

(وناهيك بها) معناه هذه الشهادة ناهية لك عن البحث عن سواها فهي كافية وناهيك من الألفاظ التي أصلها اسم فاعل أو صفة مشبهة ولكنها نقلت للمصدر واستعملت للمبالغة فيقال: ناهيك بهذا الوصف أي أنهاك عما سواه ويكفيك، ومثل ما يقال كافيك به، ومثل ما يقال: بحسبك كذا، وناهيك بها أي بهذه الرسالة.

فكان أولى باتباع التابع            لا سيما وقد نحاه الشافعي

فكان زيد أولى باتباع التابع، معناه من أراد أن يتبع فزيد أولى بأن يتبع في علم الفرائض للتزكية النبوية المختصة له بذلك، وباتباع التابع ولا يحتاج إلى ياء هنا فالطباعة هنا فيها خطأ بإضافة الياء، فالمقصود باتباع التابع أيا كان ذلك التابع.

وذلك أن الإنسان لا بد أن يكون له حظ من الاجتهاد وحظ من التقليد، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ما من أحد إلا له حظ من الاجتهاد وحظ من التقليد، فالمجتهد المطلق حظه من التقليد ما يتعلق بالجرح والتعديل في الرجال، بالجرح والتعديل، فالجرح والتعديل لا يمكن أن يوصله اجتهاده إلى الكلام في جرح فلان وتعديله، بل يقلد من جرحه وعدله من معاصريه، فإذن هذا حظ المجتهد المطلق من التقليد، التقليد في الجرح والتعديل.

أما العامي فحظه من الاجتهاد ما يختار به من يستفتيه، إذا جاء إلى جماعة وهو يريد استفتاء فسيختار منهم من يستفتيه، هل هذا الاختيار بوحي أو بعقل هو باجتهاد منه، فلذلك هذا حظه من الاجتهاد وهو لكل أحد، ما من أحد إلا وله حظ من الاجتهاد يختار به من يستفتيه، ولو كان عاميا، والأولى بالاتباع في هذا المجال زيد بن ثابت لأنه مزكى بالوحي المعصوم، فلذلك قال: فكان أولى باتباع التابع، لا سيما وقد نحاه الشافعي، هذا لبن بزبد، أو تمر بزبد، فقد تبعه الشافعي وقال: لا أعدل عن مذهب زيد في الفرائض فقد زكاه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(لا سيما وقد نحاه الشافعي) لا سيما معناه لا يعدل عن ذلك، فأصل السي بمعنى المساوي، ويقال: هما سيان أي متساويان فيما بينهما، وتستعمل هذه الجملة محذوفة الخبر فيقال: لا سيما "ولا سيما يوم بدارة جلجل" ولا سيما يوم بدارة جلجل، فما زائدة ولم تكف الاسم الذي قبلها فأضيف إلى ما بعده فقيل: ولا سيما يوم فيوم مضافة إلى سي، معناه ولا سي يوم بدارة جلجل، وقد تكفها ما فيقال: لا سيما زيد، وتكون ما كافة إذا كانت بعدها جملة، لأن الاسم غير مضاف لها مثل ما هنا، لا سيما وقد نحاه الشافعي، والدليل على أنها ليست مضافة للجملة التي بعدها وجود حرف العطف، فحرف العطف لا يمكن أن يحول بين المتضايفين أبدا، لذلك قال: لا سيما وقد نحاه الشافعي.

والشافعي هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن السائب بن شافع المطلبي من بني المطلب بن عبد مناف، وقد ولد سنة مائة وخمسين من الهجرة بغزة، وذهبت به أمه وهو صغير إلى اليمن، ثم رجع من اليمن إلى مكة فتعلم فيها واشتهر بالذكاء والحنكة وهو صغير، ثم اشتهر بين أهل مكة بإحاطته بعلم أهل مكة، فكل من كان بمكة من العلماء أصبح عيالا على الشافعي، وهو صغير، حتى جاء أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه من العراق يريدان حديث سفيان بن عيينة، فكانا في حلقته فمر أحمد فسمع كلام الشافعي فأعجب به، فبحث عن صاحبه إسحاق بن راهويه فوجده في حلقة سفيان بن عيينة، فقال له: إن فاتنا حديث سفيان بعلو أدركناه بنزول، وإن فاتنا عقل هذا القرشي فلا ندركه.

فذهبا إليه، وذهب الشافعي من مكة إلى المدينة وجالس مالكا وروى عنه الموطأ وروى عن عدد من المدنيين، ثم ذهب إلى العراق وهنالك أسس مذهبه الأول، ثم ذهب إلى مصر وفيها أسس مذهبه الثاني وهو المذهب الأخير، ومات في مصر سنة مائتين وأربع، فعاش أربعا وخمسين سنة.

وقد اشتهر بقوة الذاكرة وقوة الجواب، ولذلك دون كثيرا من مناظراته في كتاب "الأم" وهي تدل على أنه قد ألهم الحجة في خصومه مع كل الذين خاصموه، والشافعي منسوب إلى جده شافع.

وقد نحاه أي تبعه، فالنحو الجهة والقصد، فيقال: نحا فلان هذا النحو أي قصد هذه الجهة، وهن نحو البيت عامدات، أي جهة البيت عامدات، وقد قال علي رضي الله عنه لأبي الأسود الدؤلي رحمه الله: وانح هذا النحو يا أبا الوليد أي اقصده وتعرفون نظم أحمد بن كداه رحمه الله للمعاني الستة للفظة النحو بقوله:

نحونا بأنحاء من الحاج نحوكم            تناهز نحو الألف أو هي أكثر

فنلنا جميع الحاج لا النحو عاجلا          ونحوكم يا شيخ بالنحو أجدر

وقد نحاه الشافعي،

فهاك فيه القول عن إيجاز         مبرءا من وصمة الإلغاز

فهاك بمعنى خذ وهي اسم فعل ويتصل بها الكاف وهو حرف خطاب، فيفتح للمذكر ويكسر للمؤنثة، وتلتحق به الميم لجمع المذكرين والنون لجمع المؤنث، وتلحق به ما للاثنين ذكرين أو أنثيين، فيقال: هاك وهاك وهاكما وهاكم وهاكن، بمعنى خذوا بمعنى خذ فهاك فيه أي في مذهب زيد في الفرائض (القول عن إيجاز) القول في الأصل هو اللفظ وقد يطلق على الكلمة الواحدة ويطلق على الكلم ويطلق على الكلام فهو أعم من الثلاثة كما قال ابن مالك: والقول عم، أي القول أعم من الكلمة والكلم والكلام، فيطلق على الكلمة الواحدة، ويطلق على الكلم، ثلاث كلمات ولو لم يكن لها معنى، ويطلق على الكلام وهو المركب المفيد، فكل ذلك يتناوله القول.

وقد نظم الخلاف في دلالته المختار بن ألما رحمة الله عليه بقوله:

في القول خلف هل به يسمى             لفظ به دل على معنى ما

أو المركب بقيد الفيد               أو المركب بغير قيد

وكونه رديف مفرد حكاه           بعضهم فهو مجاز في سواه

أو رادف الكلمة أو للكلم           مرادف كما لأهل العلم

فكل ذلك أقوال في تفسير القول، وهو هنا المقصود به الكلام في هذا الموضع.

(عن إيجاز) معناه هذا الكلام موجز أي قليل الألفاظ كثير المعاني، والإيجاز معناه أن يكون اللفظ أقل من معناه، والاحتمالات ثلاث فاللفظ إما أن يكون أكثر من المعنى فيسمى إطنابا، وإما أن يكون مساويا له فيسمى بالمساواة، وإما أن يكون أقل منه فيسمى بالإيجاز، ولها باب مستقل في علم البلاغة في علم المعاني، هو باب المساواة والإيجاز والإطناب، فالإيجاز يكون بالعموم والإطلاق، والحذف والضمائر، وقد يكون بالذكر، فالأصل أن الحذف هو الذي يدل على الإيجاز، ولكن الحذف قد يوهم معنى غير مقصود مثل ما إذا قلت: جاء رجل فجلس رجل، فهذا يوهم أن رجلا آخر جلس، لكن إذا قلت جاء رجل فجلس فالحذف هنا مع أنه هو الإيجاز مانع من الاحتمال الآخر غير المقصود، والإيجاز مصدر أوجز في كلامه بمعنى اختصر، ومن ذلك قول الشاعر:

وكلامها السحر الحلال لو انه             لم يجن قتل المسلم المتحرز

إن طال لم يملل وإن هي أوجزت         ود المحدث أنها لم توجز

لم توجز معناه لم تختصر الكلام، وذلك أن الكلام قد يطلب فيه التوسع فيكون زائدا على مقتضى السؤال مثلا، كما كان لموسى بن عمران عليه السلام لما كلمه الله كفاحا دون ترجمان فقال له: {وما تلك بيمينك يا موسى} فمقتضى السؤال أن يقول عصا، لكن المقام يقتضي أن يطيل لأنه مقام تشريف وتكريم، فيتلذذ بكلام الله جل جلاله ويتشرف بجوابه فيطيل، فقال: هي فجاء بمبتدإ خارج عن المقصد أيضا، عصاي فأضافها مع أنها كان يكفي أن يقول: هي عصا، أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى، فأطال الكلام وهذا هو الذي يسمى بالإطناب لأنه مطلوب في هذا الموقف، وكل مقام يناسبه مقال، فلكل مقام مقال، لكن الإطناب منه ما يكون حشوا ومنه ما يكون مقصودا، فما يكون مقصودا ما ذكر في قصة موسى، ومثل ما يأتي في القرآن من الوعيد والتهديد من الإطالة وعدم الحذف {فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا} هذا مقام التهديد فكثر فيه التكرير، لهذه الألفاظ القوية المعجزة، ولو لم يكن المقام مقام تهديد لما ناسب أن يتكرر هذا اللفظ: {فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} وكذلك إذا كان يؤدي إلى احتمال غير مرغوب فيه، مثل: {ثم استخرجها من وعاء أخيه}، {فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه} فأصل السياق الاختصار، لأن هذه قصة وليست تهديدا ولا وعيدا، لكنه لو قال: ثم استخرجها منه لكان هذا إهانة لأخيه لأن الإنسان يفهم أنه استخرجها منه هو من جسمه، ولو قال: استخرجها من وعائه لظن أنه استخرجها من وعاء يوسف فخادعه وزعم أنها من وعاء أخيه، فتعين أن يقال ثم استخرجها من وعاء أخيه لأنه لو قال: استخرجها منه أو من وعائه لأفاد غير مقصود، وهذا هو اللغز الذي ألغز به الشيخ ابن رازكه رحمة الله عليه في رسالته للمغاربة لابن زكري في قصيدته التي منها:

سؤال غريب دون شنقيط أرضه          من البعد تيه يتصلن بتيه

إذا شبه الهادي بها وجه مرشد            تشابه في عينيه وجه متيه

ولم يستطع أن يجيبه فأجابه الشيخ محمد اليدالي رحمة الله عليه بقصيدة في بحره ورويه كما قال هو يقول فيها، في جوابه له يقول:

سؤال قد أعيى أهل فاس وغيرهم         فكنا بحمد الله مفتتحيه

وقد يكون الإطناب حشوا والحشو ينقسم إلى قمسين إلى حشو مخل وحشو غير مخل، فالحشو المخل معناه المفسد للمعنى، مثل قول أبي الطيب المتنبي:

ولا فضل فيها للشجاعة والندى           وصبر الفتى لولا لقاء شعوب

ولا فضل فيها أي للدنيا للشجاعة والندى وصبر الفتى لولا لقاء شعوب، الشعوب اسم للموت، يقول: لولا أن الإنسان ميت لا محالة لما كان في الدنيا فضل للشجاعة، لأنه يعرف أنه لن يموت، فإذا لم يكن في الدنيا موت فلا مدح بالشجاعة لأن الإنسان يعرف أنه لن يموت، وكذلك الصبر صبر الفتى على المكروه، إذا كان يعلم أنه لن يصل به إلى الموت لا فضل للصبر حينئذ، لكن أدخل بينهما والندى، وهذا حشو مخل لأن المعنى أنه لو لم يكن في الدنيا موت لم يكن الندى مدحا وهذا غير صحيح، إذا كان الإنسان يعلم أنه لن يموت وأن ماله لن يفنى، فأعطاه وتكرم به فهذا فضل لا محالة، فإذن قوله والندى حشو مخل، لكن قد يأتي الحشو غير مخل مثل قول الشاعر:

فقددت الأديم لراهشيه              فألفى قولها كذبا ومينا

كذبا ومينا عطف المين على الكذب والمين هو الكذب، وهذا عطف تفسير، والأصل في عطف التفسير أن يعطف الأجلى على الأخفى، وهنا المين أقل جلاء من الكذب، الكذب أوضح معنى ولكنه لم يغير المعنى ولم يضر فكان حشوا غير مخل.

والإيجاز كان العرب يمثلون له قديما بقولهم: القتل أنفى للقتل معناه أن الإنسان إذا علم أنه إذا قتل إنسانا سيقتل به فإن ذلك سيمنعه من القتل، لكن لما أنزل الله قوله: {ولكم في القصاص حياة} لم يبق لهذا المثل معنى، فالآية معجزة ولكم في القصاص حياة، فقدم الخبر وهو الجار والمجرور، وجعله للناس جميعا، وجعل الحياة مظروفة في القصاص ونكر الحياة في سياق الإثبات للإطلاق، والمعنى أن القصاص لكم فيه حياة لأنه مانع للقاتل من الإقدام على القتل، فإذا علم أنه سيقتل لن يقتل، وكذلك المساواة مثالها قول السموأل بن عاديا القرظي:

وننكر إن شئنا على الناس قولهم          ولا ينكرون القول حين نقول

فلو حذفت أية لفظة لذهبت بما يقابلها من المعنى، ولكن قوله حين نقول وإن كان ظرفا فهو غير مفيد فهم لو استطاعوا إنكار القول بعد قوله فقد تمكنوا من فائدة، الإنسان قد لا ينكر القول في وقت قوله، ويتمكن من إنكاره بعد ذلك إذا اطلع على تناقض فيه أو كذب أو إتلاف، فإذن قوله حين نقول يمكن أن يستدرك عليه، لكن في مقابل هذا قول الله تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} فهاتان الجملتان لا يمكن أن تسقط لفظا منهما إلا سقط ما يقابله من المعنى قطعا، هذه هي المساواة أن يكون اللفظ مساويا للمعنى.

والإيجاز مطلوب ولكنه كثيرا ما يؤدي إلى الإلغاز فيشق الفهم كما تقرؤون في الدرة أو في الشاطبية مثلا، أو الرامزة في علم العروض، فالألفاظ الملغزة التي هي بمثابة الألغاز والأحاجي يصعب على الإنسان فهمها، ولا يستطيع استيعابها بسهولة، والمؤلف تحاشى ذلك فلم يأت بالرموز، والأحاجي، وقد جاء في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغاليط، والأغاليط هي الأحاجي أي الكلام الذي لا يفهمه الناس ولا يستوعبونه، فإنه مزلة للأقدام، وليس معنى ذلك حال الامتحان، فأنتم ربما يأتيكم في الامتحان ما هو من قبيل الأغاليط لكنه غير داخل في النهي، لأن النهي إنما يقصد به في حال التعليم.

(مبرأ عن وصمة الإلغاز) معناه مع أن اللفظ موجز لكنه مبرأ عن وصمة الإلغاز فليس فيه لغز، ولا خفاء بل هو واضح ليس مشكلا ولا خفيا، والإلغاز مصدر ألغز إذا أتى بلغز، واللغز ما يحير الذهن.

وهو وصمة لأنه عيب.

ثم بعد هذا عقد بابا لأسباب الإرث أسباب الميراث، وقبل ذلك أبين أن الإرث له أركان وأسباب وموانع، فأبد أولا بأركانه، هذه أركان الإرث، وهي ثلاثة:

الأول: المورث

الثاني: الوارث

الثالث: الموروث

فإذن أركان الإرث ثلاثة المورث بالكسر وهو الميت، أو من هو في حكم الميت أي الذي حكم بفقده وانتهى أمد تعميره، فهذا هو المورث.

الركن الثاني: الوارث، وهو الحي الذي تحققت حياته بعد الميت حقيقة أو حكما حتى يحوز ماله، وهو من كان عمره امتدادا لعمر الميت.

والثالث: الموروث وهو التركة سواء كانت من مال الميت أو من ديته، فالتركة تنقسم إلى قسمين ما كان من مال الميت وما كان من ديته، فدية الخطإ موروثة عن الميت، فديته لم يملكها هو في حياته ولكنها معدودة مع تركته، فهي موروثة مع التركة.

إذن الأركان ثلاثة، الركن جانب الشيء القوي، ومنه ركن إلى الشيء بمعنى اعتمد عليه ومال إليه، {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} أي لا تعتمدوا عليهم، ولا تميلوا إليهم، وأركان الإرث ثلاثة المورث وهو الميت حقيقة أو حكما، الميت حقيقة كمن مات ودفن، أو حكما كمن فقد وحدد له القاضي أمدا للتعمير وانتهى ذلك الأمد.

والوارث وهو من تحققت حياته بعد مورثه، فالإنسان إذا مات مع مورثه في وقت واحد وشك في سابقهما لا يكون وارثا أبدا، وسنذكر إن شاء الله تعالى موانع الإرث.

والموروث: هو المال أو الحق الذي هو داخل في التركة أو الدية، فالمورث إما أن يترك مالا أو دية فكلاهما يدخل في الموروث فإذن هذه هي الأركان الثلاثة.

بعد هذا ذكر أسباب الإرث، ذكر أسباب الإرث فقال: باب أسباب الميراث أي باب أسباب الإرث، والميراث هنا المقصود به الإرث أي المصدر وليس المقصود به الميراث الذي هو ركن من أركان الإرث، قال:

أسباب ميراث الورى ثلاثه         كل يفيد ربه الوراثه

أي الأسباب والأسباب جمع سبب، والسبب في اللغة الحبل، كما قال الله تعالى: {فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ} فليمدد بسبب أي بحبل إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ، معناه من ظن أن الله لن ينصر محمدا صلى الله عليه وسلم فليعقد حبلا في رقبته وليعقده بالسماء وليقطعه، فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ، فلا بد أن ينصر الله محمدا صلى الله عليه وسلم بعز عزيز أو بذل ذليل.

{من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ}. "ولو رام أسباب السماء بسلم" ولو رام أسباب السماء معناه حبالها.

ويطلق في الاصطلاح على ما يؤدي لغيره، وفي اصطلاح الأصوليين هو ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم، ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم، كدخول وقت الصلاة فهو سبب لوجوبها، وعدم دخول الوقت سبب لعدم الوجوب، فلا تجب الصلاة ما لم يدخل وقتها، وإذا دخل الوقت لزمت الصلاة، وهذه الأسباب داخلة في الخطاب الوضعي لا في الخطاب التكليفي، فخطاب الله ينقسم إلى قسمين إلى خطاب تكليفي وخطاب وضعي، فالخطاب التكليفي يشمل الواجب والمندوب والمباح والمحرم والمكروه، والخطاب الوضعي معناه جعل الشارع شيئا علامة على غيره، وذلك ينقسم إلى قسمين إلى قسم مستقل وقسم تابع، فالخطاب الوضعي المستقل أربعة أقسام وهي السبب والعلة والشرط والمانع، والخطاب الوضعي التابع أقسام منها القضاء والأداء والإعادة، ومنها الصحة والفساد، ومنها العزيمة والرخصة، هذه السبعة كلها من أقسام الخطاب الوضعي التابع، فهي تابعة لغيرها لا يمكن أن تستقل.

بخلاف السبب والعلة والشرط والمانع، فتكون مستقلة، والفرق بين السبب والعلة أن السبب لا يفهم العقل وجه تعلق الحكم به، والعلة يعرف العقل وجه تعلق الحكم بها، فمثلا: غروب الشفق سبب لوجوب صلاة أربع ركعات في الحضر وركعتين في السفر، هل يمكن أن يدرك العقل وجه ذلك.

طلوع الفجر سبب لوجوب ركعتين في الحضر والسفر هل يمكن أن يدرك العقل وجه ذلك، زوال الشمس عن كبد السماء سبب لوجوب أربع ركعات في الحضر وركعتين في السفر. دلوك الشمس سبب لوجوب أداء أربع ركعات في الحضر وركعتين في السفر. غروب الشمس سبب لوجوب ثلاث ركعات في الحضر والسفر.

هل يمكن أن يدرك العقل وجه التفاوت، لماذا كان هذا يوجب أربعا وهذا يوجب ثلاثا وهذا يوجب اثنتين لا يدرك العقل ذلك، فإذن هذا هو السبب، مثل وقت الصلاة.

والعلة هي الوصف الظاهر المنطبق الذي علق الشارع به الحكم فلا بد أن يكون وصفا ظاهرا فالوصف الخفي لا يمكن أن يكون علة للحكم لأن العلة يدور معها المعلول حيث دارت، ولا بد أن يكون منضبطا فالوصف غير المنضبط كالمشقة مثلا لا يمكن أن تكون علة، فالقصر في السفر علته هي السفر، لا المشقة، لأن الإنسان إذا سافر على رجليه أو على حمار أو على جمل يجد مشقة، وإذا ركب في الدرجة الأولى في طائرة إيرباص مثلا لا يجد مشقة وسيقطع مسافة أكثر ومع ذلك فالحكم متحد، لأن العلة ليست المشقة، لأن المشقة غير منضبطة فلا يمكن أن يناط بها الحكم، بل العلة هي السفر، والسفر موجود على كل حال لأنه قطع المسافة سواء قطعتها في طائرة أو على سيارة أو على حمار أو على رجليك فالجميع قطع للمسافة.

وأسباب الميراث أي العلامات التي ربط الشارع بها الميراث فجعله متعلقا بها وهي كما قال ثلاثة: كل يفيد ربه أي من اتصف به، ورب الشيء معناه صاحبه والمختص به، فكما يقال: رب الدابة أي صاحبها، وكما قال عبد المطلب: أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعه.

أنا رب الإبل أي صاحبها، فكل يفيد صاحبه الوراثة، أي وصف الوراثة، أي أن يكون وارثا.

وهي نكاح وولاء ونسب           ما بعدهن للمواريث سبب

هي ثلاثة هي النكاح والولاء والنسب ما بعدهن أي ما بعد هذه الثلاثة للمواريث سبب، فالمواريث أسبابها هي هذه الثلاثة، ويمكن حصرها في اثنين هما النسب والسبب.

فالسبب يشمل النكاح والولاء وسنفصلها بعد الأذان إن شاء الله.

ترون الآن على السبورة الأسباب الثلاثة، وهي النكاح والولاء والنسب، فالنكاح مصدر نكح الشيء بمعنى خالطه وداخله، ومنه قول الشاعر:

أنكحت صم حصاها خف يعملة           تغشمرت بي إليك السهل والجبلا

وهو يصف أرضا قاحلة قطعها على ناقته، فيقول: أنكحت صم حصا هذه الأرض، الصم منها التي ليس فيها ثقب ولا كسر، خف يعملة وهي الناقة، تغشمرت أي قطعت بتعسف، تغشمرت بي إليك السهل والجبلا.

ويقال: نكحت المرأة صبيها أي ضمته إلى صدرها، كما قال الشاعر:

ضممت إلى صدري معطر صدرها       كما نكحت أم الغلام صبيها

كما نكحت أم الغلام صبيها معناه ضمته إلى صدرها، وهو يطلق على أمرين، يطلق على العقد ويطلق على الدخول، فيطلق على العقد فقط، ويطلق على الدخول فقط، والدخول لا يكون إلا بعد عقد، فالإطلاق على الدخول متناول للعقد بخلاف الإطلاق على العقد وحده. فقول الله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} عند الجمهور المقصود بالنكاح الدخول من نكاح صحيح من عقد صحيح، واستدلوا لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك، فهذا دليل على أن المبيح هو الدخول، وسعيد بن جبير يرى أن المقصود هنا مجرد العقد لا الدخول، ويستدل لذلك بأن الله قال: حتى تنكح زوجا غيره، ولم يقل: حتى ينكحها زوج غيره، والذي ينسب إلى المرأة ووليها هو العقد لا الدخول، فالدخول ينسب إلى الرجل لا إلى المرأة، فلو كان المقصود الدخول لقال: حتى ينكحها زوج غيره، فلما قال: حتى تنكح زوجا غيره ونسب الفعل إليها هي فالفعل الذي يصدر عن المرأة ما هو؟ هو العقد لأنها ذات طرف فيه وهو الإيجاب وهو مقدم على القبول، فهذا مذهب سعيد، ومذهب الجمهور أقوى لكن الدلالة على الدخول ليست مأخوذة من الآية بل من الحديث.

والنكاح الذي يحصل به الإرث هو العقد الصحيح، فلو تزوج المشرقي مغربية أو المغربي مشرقية ولم يرها ومات قبل أن يراها فهي وارثة له، فالإرث حق تابع للعقد لا يتعلق بالدخول.

وهذا العقد يرث به الرجل امرأته وترث به المرأة زوجها وقد ذكرنا الآية التي تضمنت ميراث الرجل من امرأته وميراث المرأة من زوجها، ولكن محله إذا كان مستمرا، فإن حصلت فرقة فسيأتي تفصيلها، إذا حصلت فرقة في النكاح فسيأتي تفصيلها فالمطلقة أربعة أقسام، القسم الأول مطلقة طلاقا رجعيا، وهي في عدتها، فهذه ترث إجماعا تقريبا، ترث من مطلقها إذا مات وهي في عدتها، والقسم الثاني: المطلقة البائن، التي سبب طلاقها لا يتهم فيه الرجل، كما إذا خالعته أو سألته الطلاق فطلقها لطلبها وبناء على رغبتها، ولا يتهم هو بإخراجها من الميراث فهذه أيضا لا ترث، والإجماع تقريبا منعقد على ذلك.

القسم الثالث المطلقة البائن التي يتهم هو في طلاقها، أي يتهم أنه أراد إخراجها، وهذه اختلف في توريثها على أربعة أقوال، القول الأول أنها لا ترث مطلقا وهذا أصح قولي الشافعي، فقال: سبب الإرث هو النكاح والنكاح قد انفصل وبانت منه، القول الثاني: أنها ترث ما دامت في عدتها، فإذا انتهت عدتها لم ترث وهذا مذهب أبي حنيفة، والقول الثالث: أنها ترث ما لم تتزوج رجلا غيره أو ترتد عن الإسلام، وهذا مذهب الحنابلة.

والقول الرابع أنها ترث منه مطلقا ولو تزوجت رجلا غيره ولو تزوجت رجالا وهذا مذهب المالكية.

الرابع أنها ترث مطلقا ولو تزوجت غيره ولو انتهت عدتها، ولو ارتدت عن الإسلام ثم رجعت إليه فإنها ترث مطلقا كما قال خليل: وورثت أزواجا وسبب هذا الخلاف أن الرجل متهم في أن يكون أراد منعها من حقها، وقد طلقها هو في مرض متصل بالموت، مرض مخوف متصل بالموت، فلذلك أراد منعها من حقها فيعامل بنقيض قصده عند المالكية مطلقا، فالحق قد ترتب لها بمجرد النكاح فكان كالصداق، فلو لم يدفع إليها الصداق حتى مات فإنه يؤخذ صداقها من إرثه قطعا إجماعا، فالمالكية قالوا هذا حق ترتب على أصل العقد فلا يبطل لأن الذمة إذا عمرت بمحقق لا تبرأ إلا به، والشافعية قالوا: العلاقة بين الزوجين كانت حاصلة بالعقد، فلما فرق الشرع بينهما فرقة لا رجعة بعدها فإن السبب لم يعد موجودا والحكم معلق بسببه فلا يمكن أن ترث من ليس زوجا لها، فيقولون: أسباب الإرث منتفية عن المطلقة البائنة مطلقا، فلا هي زوجة ولا هي ذات نسب إذ ترث به ولا هي مولاة له حتى ترثه والحنفية يرون أنها ما دامت في عدتها فهي محبوسة عن الرجال وتجب نفقتها وسكناها عليه، فلذلك ترث منه، فيجعلون ذلك من بقايا النكاح، فإذا انتهت العدة لم يبق بينهما علاقة أصلا فلا ترث.

والحنابلة يرون أنها إنما ترث لأنه متهم بإخراجها، فإذا نكحت زوجا غيره فإنه لم يعد هو متهما بإخراجها لأنها هي اختارت طريقها، وكذلك إذا ارتدت لأن الردة تبطل العقد، لئن أشركت ليحبطن عملك فهي مقتضية لبطلان العقد، حتى لو قدرنا أن العقد موجود فقد أبطلته هي من قبلها بردتها ثم رجوعها للإسلام.

والمالكية رأوا أن السبب قد حصل فتعلق به الملك فلو زال السبب لا يقتضي ذلك زوال الحكم الذي قد ترتب لأن الذمة عمرت به.

القسم الرابع المطلقة في الصحة، المطلقة البائن في الصحة أو في مرض غير مخوف، نحن قد لا نرجح في بعض المسائل كما شرطنا عليكم البارحة إذا كانت المسألة محتملة ولأهل السنة فيها مذاهب وكل له دليل، أنتم الآن عرفتم مأخذ كل واحد من الأئمة، وإذا ترجح لدى واحد منكم قول من هذه الأقوال فسيزداد أحد الأقوال بصوت واحد، فلا يرجحه ذلك، لأنه إذا عرض على تصويت الآخرين فربما وجد مخالف لذلك.

القسم الرابع من المطلقات المطلقة البائن في مرض غير مخوف أو مرض غير متصل بالموت أو في الصحة.

إذا طلقها وهو صحيح طلاقا بائنا ثم قدر أنه مات وهي في عدتها أو خارج عدتها فإنها لا ترث مطلقا لا في العدة ولا في غيرها، إجماعا، يمكن أن نبين هذه قليلا على السبورة.

إذن رأيتم أن المطلقات فيما يتعلق بالميراث أربعة أقسام، القسم الأول المطلقة الرجعية ما دامت في عدتها سواء كان طلاقها من قبله أو من قبلها، فهي وارثة لأنها كالزوجة، والقسم الثاني البائن في الصحة أو في مرض غير مخوف فهذه لا ترث إجماعا، والقسم الثالث البائن في مرض مخوف متصل بالموت ولكن لا يتهم الزوج بمنعها فإنها لا ترث كالتي خالعته أو طلبته الطلاق، والقسم الرابع هو البائن في مرض مخوف متصل بالموت حيث يتهم الزوج بمنعها وهذه هي المشكلة لأن فيها أربعة أقوال، وأصل المسألة أن عثمان رضي الله عنه قضى بميراث ابنة الأصبغ وهي زوجة عبد الرحمن بن عوف منه وقد طلقها في مرض موته طلاقا بائنا، طلقها فبتها في مرض موته، فأجمع الصحابة على ذلك ولم ينكره أحد منهم، وقد أخذ المالكية بعموم الدليل قالوا: حصل الإجماع من الصحابة على توريث البائن في مرض الموت فدل ذلك على أن هذا هو الأصل ولا يخرج منه إلا بدليل.

فيه أحد يذكرنا بالأقوال الأربعة: تفضل يا شيخ:

هناك أربعة أقوال في قضية المطلقة،

اذكر الأقوال فقط القول الأول؟

القول الأول هو الرجعية.

لا في المطلقة البائن في مرض مخوف: القول الأول أنها لا ترث مطلقا وهذا هو القول الصحيح في المذهب الشافعي.

القول الثاني: ترث ما دامت في عدتها وهذا مذهب أبي حنيفة.

القول الثالث: ترث ما لم تتزوج أو ترتد وهذا مذهب الحنابلة.

القول الرابع أنها ترث مطلقا وهذا مذهب المالكية، ومذهب المالكية أنها يمكن أن ترث أزواجا، إذا تزوجها رجل فمرض مرضا مخوفا أصيب بسرطان أو بفشل كلوي أو نحو ذلك فطلقها ولما انتهت عدتها تزوجت زوجا آخر فمرض مرضا مخوفا فطلقها في مرضه المخوف، فتزوجت زوجا ثالثا: فإنها ترثهم جميعا، والحنابلة يعترضون فيقولون: كيف ترث المرأة أزواجا في وقت واحد، ولا يمكن أن تجمع المرأة بين زوجين، لكن يجاب أنها يمكن أن يكون لها دين على عدد من الرجال، والميراث هنا بمثابة دين قد ترتب في ذممهم، فالمحذور إنما هو المعاشرة من عدد من الرجال، لكن أن يكون لها مال على عدد من الرجال لا محذور في ذلك شرعا.

 السبب الثاني من أسباب الإرث هو الولاء، والولاء بفتح الواو في اللغة هو النصرة، فيقال: والى فلان فلانا أي نصره، والولاء بمعنى النصرة كثير الاستعمال، فيقال: فلان مولى فلان أو فلان ولي فلان معناه ناصره، وفي مقابل ذلك يقال: فلان عدو فلان فالولي ضد العدو، فأولياء الله معناه: الناصرون لله الذين ينصرهم الله، ولينصرن الله من ينصره، وأعداء الله معناه الذين لم ينصروا الله جل جلاله فلم ينصرهم، والولاية متدرجة بحسب ذلك، فأولياء الله متفاوتون في ولايته كما أن أعداءه متفاتون في عداوته، فقد يجمع الإنسان الواحد بين الولاية من وجه والعداوة من وجه، فالمؤمن العاصي هو ولي لله بإيمانه عدو لله بمعصيته، فيحب على قدر إيمانه ويبغض على قدر معصيته، والمؤمن الطائع هو ولي لله لا عدو له فيحب على قدر ولايته أيضا والعاصي الذي لا يظهر عليه شيء من شواهد الإيمان والكافر كفرا صريحا هذا عدو لله عداوة تامة فيعادى على قدر ذلك.

والولاء له ثلاثة أسباب، السبب الأول العتق، فمن ملك رقبة من ملك رقيقا من إخوانه في النسب فملكه الله عليه بسبب الكفر وهذا هو تعريف الرق الرق ما هو؟ هو عجز حكمي سببه الكفر، فالبشر جميعا من نفس واحدة، وهم جميعا في الأصل أحرار عبيد لله وأحرار بعضهم تجاه بعض، ولكن بعضهم يكفر بالله فيفرض الله عليه عجزا عن التصرف، هذا العجز سببه ما هو؟ سببه الكفر، وليس له سبب آخر في الإسلام.

قد كانت له أسباب أخرى في الجاهلية مثل الإغارة ومثل العداوة ومثل الدين ومثل... قد كانت في الأمم السابقة حتى من الديانات السابقة، {فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه} كان هذا من ملة يعقوب إذ ذاك أن السارق يسترق في مقابل سرقته.

لكن في الإسلام لا رق إلا بالكفر فسببه الكفر، وهذا العجز هو عجز حكمي ليس عجزا حقيقيا عن التصرف، فقد يكون أقوى من مالكه ولكنه عاجز عن التصرف باعتبار الشرع، لأن الشرع ضرب عليه هذا الحجر كالسفيه والصغير، وكالحجر على المرأة في ولاية نكاحها ونحو ذلك، فهذا حجر ضربه الملك الديان جل جلاله وهو أعلم بعباده وأعلم بمصالحهم، فرأى أن مصلحة هؤلاء الكفار أن يسترقوا وأن يفرض عليهم عجز عن التصرف حتى يدخلوا في الإسلام، وأن ذلك خير لهم من أن يقتلوا على الكفر.

فهو أرحم بهم وأولى بهم من القتل على الكفر، فالرق رحمة من الله سبحانه وتعالى وعدل وإنصاف لهم لأنه يقربهم من الجنة ويمنعهم من الموت حتى بالكفر، وفي مقابله إذا لم يسلموا فهم عرضة لأن تقطع رقابهم فيدخلوا النار على الكفر، فكان الرق رحمة ولطفا ورأفة بهم وهو خير لهم. فإذا أعتق المسلم من كان يملكه فقد أنعم عليه نعمة عظيمة كما قال الله تعالى: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك} والذي أنعم الله عليه بالإسلام وأنعم عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالحرية هو زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي رضي الله عنه.

وهذا الولاء تابع للعتق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: الولاء لمن أعتق، وهو لحمة كلحمة النسب فهو بمثابة الأبوة، فالأبوة حق لا يستطيع الإنسان إنكاره ولا التخلص منه، ولو لم ينفعه أبوه بأية نافعة، لو لم ينفق عليه ولم يأدبه ولم يره فهو أبوه، حق الأبوة قائم، فكذلك حق الولاء هو بمثابة حق الأبوة، هو قائم، ولهذا جاء في الحديث عن علي بن أبي طالب: الولاء لحمة كلحمة النسب، وهذا الحديث معلل، ولكنه معمول به.

القسم الثاني أو السبب الثاني من أسباب الولاء ولاء الإسلام، فالكافر إذا أسلم على يد إنسان فإنه أنعم عليه بالسعي لهدايته ودله على طريق الله جل جلاله، فله عليه حق والناس يحتاجون إلى قبائل يتعارفون بها، فلذلك كان من أسلم على يد إنسان من قبيلة ينسب إلى تلك القبيلة، فالبخاري مثلا ينسب إلى بني جعف فيقال: الجعفي، وذلك بولاء الدين لا بولاء العتاقة، فلم يسبق عليه رق، ولكن جده الأعلى وهو بردزبه أسلم على يد جد محمد بن سلام فنسب إليه فقيل: الجعفي، وهذا الولاء الديني أضعف من الولاء بالعتاقة، فالولاء بالعتاقة يرث صاحبه المعتق إجماعا، والمعتق أيضا إذا لم يكن لمعتقه وارث عند ابن تيمية وبعض أهل العلم يرث أيضا وسيأتي تفصيل ذلك.

أما السبب الثالث للولاء فهو معاقدة اليمين، أي الحلف، وقد كان في الجاهلية يأتي الرجل الرجل فيقول: الدم الدم والهدم الهدم، تعقل عني وأعقل عنك وترث عني وأرث عنك وتطلب بي وأطلب بك، فيمضي ذلك بينهما، وهذا هو العقد، والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم، وقد اختلف في الميراث به هل هو بمثابة الولاء أم لا، فمن أهل العلم من يرى الميراث بعقد اليمين لأن الآية محكمة غير منسوخة لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، النسخ لا يثبت بالاحتمال النسخ لا بد أن يكون بدليل قطعي، فالله يقول: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم}.

ومن أهل العلم من يرى أن المقصود بالنصيب الإحسان والمعاملة، ولا يقصد به النصيب من الميراث فلا يرون لهم حقا في الميراث، وهي متدرجة فأقواها الولاء بالعتاقة، ثم الولاء بالإسلام، ثم الولاء بعقد اليمين.

اكتبها الثلاثة: الولاء له ثلاثة أسباب رقم واحد الولاء بالعتاقة، اثنين: الولاء بالدين أو بالإسلام، الثالث: الولاء بعقد اليمين، فهذه ثلاثة أنواع، القسم الأول لا خلاف في أن المعتق والمعتقة يرث معتقه، ولكن الولاء لا يورث، فالولاء نفسه لا يورث فليس ملكا بل هو حق كالأبوة والأمومة فلا يورث لكن يورث به.

فالولاء يرث به المعتق نفسه، ويرث به عاصبه بالنفس، فالعصبة سيأتينا أنهم ثلاثة أقسام عاصب بنفسه وعاصب بغيره وعاصب مع غيره، فالعاصب بالغير والعاصب مع الغير لا يرث بالولاء، والعاصب بالنفس هو الذي يرث بالولاء، العاصب بالنفس هو الذي يرث بالولاء، والعاصب بالغير والعاصب مع الغير لا يرث بالولاء.

واضح الآن الكلام، فالمعتق نفسه يرث من أعتقه إذا لم يكن له وارث من النسب، إذا أعتق الإنسان مملوكا كان يملكه فمات المملوك الذي أعتق وليس له وارث من النسب، ليس له أب ولا ابن ولا أخ ولا أخت فإن معتقه يرثه، كذلك إذا مات معتقه فإن أولاد معتقه الذكور يرثونه دون البنات، لأنهم العاصبون بالنفس، فيرثه العاصبون بالنفس لا مع الغير ولا بالغير.

والمعتق مذهب الجمهور أنه لا يرث معتقه إذا مات وليس له وارث من النسب، ولكن ابن تيمية وعددا من أهل العلم يرون أنه يرثه، لأن الآية أطلقت ذلك، والذين عقدت أيمانكم فهي تشمل الجميع، وابن تيمية يرى أن المولى الأسفل المعتق إذا مات معتقه وليس له وارث من النسب فإنه هو يرثه.

وقد ورد في ذلك حديث أخرجه مالك في الموطأ وابن أبي شيبة في المصنف وعبد الرزاق أيضا في مصنفه أن رجلا أعتق عبدا له فمات، وليس له وارث فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم ماله للعبد العتيق، أي للعبد الذي أعتقه، فيمكن أن يكون إعطاؤه له من باب أن هذا لبيت المال وذلك محتاج وآثره النبي صلى الله عليه وسلم به، ويمكن أن يكون ذلك ميراثا بالتعصيب.

السبب الثالث من أسباب الولاء هو الولاء بعقد اليمين، وهذا فيه خلاف في المذاهب كلها هل هو مستمر لأنه حالة نادرة، اليوم لم يعد الحلف قائما، الحلف كان في الجاهلية، والإسلام لم يعد هذا ممكنا فيه، لكن قد يأتي بعض المسلمين ممن أسلموا في دار غير إسلامية وليس لهم ولي في أرض المسلمين، فيعاقدون غيرهم من المسلمين على النصرة والإخاء فيكون لهم حق مخصوص وتعريف، فمن أهل العلم من يرى حصول الميراث بذلك. إذن هذه هي أقسام الولاء.

أما السبب الثالث من أسباب الإرث فهو النسب، وهو أطول الأسباب وأكثرها، فأكثر الوارثين إنما يرثون بالنسب، فالأصول والفصول يرثون بالنسب وكذلك الحواشي، فإذن النسب ثلاثة أقسام: أصول وفصول وحواش، النسب ثلاثة أقسام اكتبوها تحت النسب، 1- أصول، 2- فصول، 3- حواشي.

فالأصول كالأب وآبائه، والأم وأمهاتها وأمهات الأب، فالأب والأم والأجداد والجدات هؤلاء هم الأصول، والفصول هم الأبناء والبنات وذرية الأبناء فهؤلاء هم الفصول الوارثون، والحواشي هم الإخوة والأخوات والأعمام وبنو العم وإن نزلوا والأعمام وإن علوا، هؤلاء يسمون بالحواشي.

فالحواشي تشمل الإخوة الأشقاء والإخوة لأب والإخوة لأم وتشمل الأعمام وإن علوا وتشمل بني الإخوة وإن نزلوا وبني الأعمام وإن نزلوا كل ذلك من الحواشي، فإذن هذا هو النسب ثلاثة أقسام فصول وأصول وحواشي.

وهذه الأقسام الثلاثة النكاح والولاء والنسب هي أسباب الإرث لكنها متفاوتة، فالنكاح لا يورث به إلا فرضا، فهو سبب للإرث بالفرض لا بالتعصيب، والولاء يورث به بالتعصيب فقط لا بالفرض، والنسب يجمع الأمرين فيورث به بالفرض وبالتعصيب، فإذن هي أسباب ثلاثة، لكنها متفاوتة في نتيجتها، فالنكاح لا يورث به إلا فرضا، والولاء لا يورث به إلا تعصيبا، والنسب يورث به فرضا وتعصيبا، ثم قال المؤلف رحمه الله:

باب موانع الإرث

الموانع جمع مانع وهو ما يحول دون الشيء، فالمنع معناه الحد أن يحد الشيء فيمنع مثلا إغلاق الباب مانع من الخروج والمانع في الاصطلاح هو ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه الوجود.

ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه الوجود، كالحيض مثلا فهو مانع من وجوب الصلاة وصحتها، لكن الطهر منه لا يقتضي وجوب الصلاة كما إذا كان قبل الوقت.فيلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه الوجود، والميراث كما ذكرنا هو من الخطاب الوضعي، والخطاب الوضعي يكون بعضه سببا لبعض ومانعا منه وشرطا فيه، كما أن الأسباب والشروط والموانع تتعلق بالخطاب التكليفي تتعلق أيضا بالخطاب الوضعي.

وموانع الإرث ذكر المؤلف منها ثلاثة فقال:

ويمنع الشخص من الميراث               واحدة من علل ثلاث

رق وقتل واختلاف دين                  فافهم فليس الشك كاليقين

ويمنع الشخص معناه الشخص الذي هو حاو لسبب من أسباب الإرث أي الذي له نكاح أو ولاء أو نسب إلى الميت، من الميراث، أي من إرثه لمورثه الميت، واحدة من علل ثلاث، والعلل المقصود بها هنا الموانع، وليست علة للميراث بل هي مانعة منه، عكس العلة.

رق فالمملوك لا يرث ولا يورث لأن ماله تعلق به حق مالكه، وقتل فمن قتل مورثه فإن ذلك مانع من إرثه لأنه يمكن أن يقتله لقصد استعجال الإرث، ومن طلب الشيء قبل إبانه عوقب بحرمانه، واختلاف دين: فالمسلم لا يرث الكافر والكافر لا يرث المسلم فقد فرق بينهما الإسلام وهو قاطع للنسب وللسبب، فلا يمكن أن تكون المرأة المسلمة زوجة لكافر، كما لا يمكن أن يكون الكافر زوجا لمسلمة كما قال الله تعالى: ولا تمسكوا بعصم الكوافر، واختلاف دين، فافهم فليس الشك كاليقين: إذا فهمت هذا أيقنت به وليس الشك كاليقين لأن اليقين مانع من التردد والشك تبقى على تردد فيه.

ولكن الواقع أن موانع الإرث أكثر مما ذكر، وهي التي يجمعها قولهم: عش لك رزق، ع ش ل ك ر ز ق هذه هي الموانع عش لك زرق.

فالعين عدم تحقق الموت، فالإنسان الذي لم نتحقق أنه مات لا يمكن أن نورثه لأنه أحق بماله ما دام حائزا له وهو حي، والنية عمرت بمحقق فلا تبرأ إلا به، وهنا نكتة، فيه أحد القضاة حدثني هنا أنه كان في ولاية من الولايات الداخلية، فذهب للحكم في أرض كان فيها نزاع، فجاءه رجال قالوا: نريد أن تقسم لنا تركة أبينا، فقال: منذ كم مات أبوكم، قالوا: لا هو حي، قال: كيف تريدون توريثه، قالوا: لا لكنه في آخر أيام حياته. فإذن عدم تحقق الموت مانع من الإرث، فالإنسان أعطاه الله هذا المال وجعله تحت يده وجعل زوجته زوجة له فلا يمكن أن تؤخذ منه إلا بيقين. إذن هذا الأول.

الشين الشك في السبق، فهو مانع من الإرث، إذا مات شخصان في حادث سير أحدهما والد والآخر ولد أو ماتا في صاعقة أو في جهاد في سبيل الله في غزة أو في غيرها فماتت أسرة بكاملها في وقت واحد، لا يرث بعضهم بعضا، لأننا لا ندري أيهم مات أولا، فهذا الشك في السبق في الموت.

اللام اللعان، فإذا كان الرجل زوجا لامرأة فحملت حملا فنفاه بلعان وحلف أيمان اللعان ففرق القاضي بينهما فهذا الولد يرث أمه وترثه لكنه لا يرث الرجل الذي كان زوجها لأنه نفاه بلعان، فاللعان مانع من موانع الإرث.

الكاف: الكفر فالكفر مانع للإرث من الجانبين، فالكافر لا يرث المسلم والمسلم لا يرث الكافر.

الراء: والراء الرق قد سبق.

والزاي: الزنا فالزنا لا يحرم حلالا ولا يستحق به شيئ، فولد الإنسان من الزنا لا يرثه، فولد الزانية يرث أمه وترثه لكنه لا يرث أباه لأن هذه الأبوة معدومة شرعا والمعدوم شرعا كالمعدوم حسا.

القاف: القتل فالقاتل لا يرث مقتوله.

فإذن هذه هي موانع الإرث: عش لك رزق، عدم تحقق الموت والشك في السبق واللعان والكفر والرق والزنا والقتل.

طيب إذن أقتصر على هذا الحد وأحاول الإجابة على بعض أسئلتكم.

وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمين.

سؤال: ما صحة الأثر الوارد أن أول علم يرفع علم الخشوع، يوشك أن تدخل المسجد فلا ترى رجلا خاشعا.

الجواب أن هذا ليس علما، وإنما هو عمل، فالمقصود به أول ما يفقد من أمر الدين الخشوع، وبالنسبة لصحة الحديث في ذلك لا أظنه صحيحا، ولكن المعنى أن هذا من درجات الإيمان العالية التي يندر أهلها في كل زمان.

سؤال: هل للمحال المذكور في الآية علاقة بما ذكرتم في معنى المحالة؟

الجواب: شديد المحال الجواب نعم، لأن المقصود بالمحال القوة في الآية، ولكن أصل القوى بالنسبة للمخلوق والحادث يكون في الظهر وحمله وقوته، أما الله جل جلاله فالمقصود بذلك أنه شديد القوى، فقوته لا يمكن أن تقاس بقوى المخلوقين.

سؤال: هل يجزئ في علم الفرائض إتقان الرحبية أم لا بد من غيرها؟

الجواب: من السائل، إذا كان السائل طالب علم وهو يريد التخصص والزيادة فلا تكفي الرحبية، وإذا كان من الذين لن يفصلوا الخصومات ولن يتولوا القضاء والإفتاء ولن يعلموا فتكفي الرحبية.

سؤال: هل ورث أحد من الصحابة بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قبل النسخ؟

الجواب نعم في صحيح البخاري من حديث ابن عباس أنهم كانوا يرث بعضهم بعضا بذلك، كان المهاجري يرث الأنصاري والأنصاري يرث المهاجري بأخوة الإسلام.

سؤال: هل المعتق يرث من معتقه إذا لم يكن له وارث غيره؟

الجواب ذكرنا أن ذلك مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وبعض أهل العلم، وأن الدليل عليه أقوى لحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جيء برجل من الأنصار مات وليس له وارث إلا عبدا أعتقه فأعطى ماله العبد المعتق.

سؤال: ذكرتم في موانع الإرث عدم تحقق الموت والبعض يقول: عدم تحقق الاستهلال للصبي أو تحقق حياته

الجواب: نعم هذا من عدم تحقق الحياة أيضا وهي مثل عدم تحقق الموت فهو داخل مع هذا، فالحمل إذا لم يستهل صارخا فإن حياته لم تتحقق فلا يمكن أن يحوز الميراث. فإذن هذا داخل فيما ذكر وليس معارضا له.

سؤال: على ذكر الإطناب أسمع كثيرا بعضهم يقول: هذا التعوذ أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق الله.

الجواب: هذا إدراج في الحديث فالحديث من شر ما خلق، ولا يحتاج بعد ذلك إلى هذه الزيادة، وأحاديث التعوذات والتعبدات لا تروى بالمعنى ويقتصر فيها على الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

سؤال: هذا يقول: مما اشتقت الإعانة؟

الجواب أنها من العون وهو خلق القدرة والطاعة وخلق القدرة على الطاعة.

سؤال: فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع ما معنى ما يغيظ؟

الجواب: أي ما يغيظه هو أي النصر الذي نصر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم هل يستطيع هو إزالته بما يصنع.

سؤال: المطلقة البائن في مرض مخوف قد ترث أزواجا عند المالكية، هل يرثها الأزواج جميعا إذا ماتت؟

الجواب: كيف يرثونها؟ كأن السائل لم يفكر في هذه المسألة، فهم ليسوا أزواجا لها فقد فارقوها.

سؤال: المالكية ذكروا مسألة تبقى بعد الموت من آثار النكاح وهي قول خليل رحمه الله والأحب نفيه إن تزوج أختها أو تزوجت غيره.

الجواب: أي أن الزوج والزوجة كلاهما أولى بتغسيل الآخر مات الزوج فترك زوجته حاملا وعند موته ولدت فخرجت من العدة فتزوجت رجلا آخر فالأحب أن لا تغسل الزوج الأول لأنها حينئذ ستكشف عورة زوجين الزواج ولا يمكن الجمع بينهما بذلك، وكذلك إذا ماتت المرأة فتزوج زوجها أختها قبل أن يغسلها فالأحب أن لا يغسلها لئلا يكشف عن عورة الأختين بالنكاح.

سؤال: هل الأسئلة في امتحان هذه الدورة تكون في متن الرحبية فقط أم تكون فيما هو خارج عن النص مما ذكر؟

الجواب: استطرادات كثيرة لن يأتي فيها الامتحان إن شاء الله، كثير من الاستطرادات التي نذكرها ونريد بها توسعة مدارككم لن تكون داخلة في الامتحان، الامتحان في علم الفرائض.

سؤال: إذا كان الكفر هو السبب في الرق فلماذا لا يكون الإسلام سببا للعتق؟

الجواب أن الإسلام ليس سببا للعتق دائما، لأن الكفر سبب للرق في أصله، فهو سبب لأن يرق الإنسان، لكنه إذا أسلم بعد ذلك فإسلامه لا يحرره إلا بسبب آخر، الإسلام يدعو لتحريره لكنه ليس موجبا لتحريره، وهنا الولاء الحاصل بالعتق منه ما يكون إجباريا ومنه ما يكون اختياريا، فالاختياري مثل من أعتق عبدا يملكه فهذا الولاء اختياري، أو اشتراه فأعتقه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: اشترطي لها الولاء وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق، والإجباري كمن اشترى من يعتق عليه، حر اشترى أمه من النسب أو أباه من النسب وقد كان رقيقا فإن الشارع يحرره عليه مباشرة، فله الولاء حينئذ وهذا الولاء بالإجبار لا بالاختيار.

سؤال: قوله تعالى: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون هل هو عام لجميع المؤمنين أو خاص بأولياء الدم.

الجواب: لا هو عام لجميع المؤمنين، لأن الإنسان إذا علم أنه إن قتل اقتص منه فإن ذلك سيمنعه من القتل.

سؤال: ما دليل المالكية على توريث البائن؟

الجواب: ما ذكرناه في قصة توريث عثمان بن عفان لزوجة عبد الرحمن بن عوف وهي ابنة الأصبغ؟

سؤال: الزوجة الكتابية ألا ترث زوجها المسلم والعكس؟

الجواب: لا لا ترثه ولا يرثها.

سؤال: الإرث بالمعاقدة والإرث بالدين ما حكمه ودليله؟

الجواب: ذكرنا أن دليله قول الله تعالى: {والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم}، وأن حكم الأمرين مختلف فيه هل هو باق أو لا.

سؤال: هل القتل مانع مطلقا أم أنه يفرق بين العمد والخطأ؟

الجواب: سيأتينا الكلام في هذه المسألة فالقتل عمدا لا خلاف في منعه، والقتل خطأ فيه خلاف ولكن الأولى أن لا يمنع به.

سؤال: ذكرت في الحصة الماضية أن فرائض التركة سبعة ستة منها قرآنية وواحدة منها اجتهادية ما هي الاجتهادية؟

الجواب: الاجتهادية هي ثلث الباقي، ثلث الباقي.

سؤال: أريد توضيح معاقدة اليمين؟

الجواب: هي أن يقول الرجل للرجل: الدم الدم والهدم الهدم، ترثني وأرثك وتعقل عني وأعقل عنك وتطالب بي وأطالب بك وقد كان هذا العقد معروفا في الجاهلية؟

إذن نقف عند هذا الحد وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يرزقنا إيمانا ويقينا وصدقا وإخلاصا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 


عدد مرات القراءة : 21446



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22704941
المتواجدون الأن       8
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو